لا توجد بقعة في العالم يكثر الحديث فيها عن السلام كما هو الحال في منطقة الشرق الأوسط، ولا توجد بقعة تفتقر إلى السلام كما هي حال هذه المنطقة، الأسباب لذلك كثيرة بعضها من صناعة الماضي السحيق القدم، وبعضها من صناعة الحاضر.

شهدت منطقة الشرق الأوسط عبر التاريخ صراعات تنوعت أسبابها وأهدافها، حسب طبيعة المرحلة السياسية التي مرت بها، وتعرضت للعديد من الغزوات من الشرق ومن الغرب على السواء، وتأثرت وأثرت في ثقافات هؤلاء الغزاة الذين زحفوا على أصقاعها براً في الماضي وبحراً في العصر الحديث.

تشكلت صورة الشرق الأوسط وصورة مواطنيه المسلمين، غالبيتهم من العرب، لدى الغرب من خلال ما رسمه المستشرقون إبان حكم الإمبراطورية العثمانية وما بعدها، وهي صورة سلبية تظهرهم كأناس شديدي الالتصاق بالماضي.

وتنقصهم رغبة الانفتاح على الآخرين، بعيدون عن المشتركات الإنسانية المتعارف عليها لدى الغرب، وقد حرصت المؤسسات الغربية على إدامة هذه الصورة السلبية في الذهن الغربي من خلال وسائل إعلامها.

هناك نوعان من الصراعات التي شهدتها هذه المنطقة، أولهما صراعات داخلية ذات طبيعة عرقية أو دينية أو مذهبية أو قبلية، وهي صراعات لا تزال قائمة حتى الآن بهذا الشكل أو ذاك، وثانيهما صراعات مع غزاة جاؤوا من خارجها.

المجال لا يتسع للدخول في تفاصيل هذه الصراعات، لذا من المناسب أن نركز على صورة المنطقة التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى، وانعكاسات ذلك على صراعات الحاضر.

بدأت الحقبة الجديدة من الصراعات مع بداية عصر الاستعمار، بُعيد الحرب العالمية الأولى حين تقاسم الغزاة، بريطانيا وفرنسا، أشلاء الإمبراطورية العثمانية وفرضوا سيطرتهم على منطقة الشرق الأوسط، وباشروا باستغلال أبرز ثرواتها وهي النفط.

هكذا بدأ طور جديد من الصراعات في المنطقة، مع بزوغ عصر النفط وتحول الاقتصاد الغربي من اقتصاد الفحم إلى اقتصاد النفط. أما الولايات المتحدة فلم تتمكن من مد نفوذها إلى المنطقة، إلا بُعيد الحرب العالمية الثانية، بعد أن استنزفت تلك الحرب قوى بريطانيا وفرنسا.

وقد اعتمد الغرب أساليب متعددة لضمان سيطرته على المنطقة، داعماً بقوة الحكومات الحليفة له من جهة، ومدبراً للانقلابات العسكرية للتخلص من الأنظمة غير الموالية له من جهة أخرى.

كما أنه لم يتردد في مواقف معينة في اللجوء إلى الاستخدام المباشر للقوة، كما حصل عندما قامت كل من فرنسا وبريطانيا باحتلال قناة السويس بعد صدور قرار تأميمها، وليس احتلال أفغانستان عام 2001 واحتلال العراق عام 2003 ببعيد عنا.

مَن يتابع تاريخ الشرق الأوسط، لا يستطيع سوى الاستنتاج بأن النفوذ الغربي لم يستطع أن يخفف من حدة الاحتقانات فيها على مدى المائة سنة الأخيرة، وربما لم يعمل على ذلك أصلاً، بل العكس هو الصحيح، فتأسيس دولة إسرائيل والتحيز المطلق لها على حساب مصلحة الشعب الفلسطيني، قد أضاف إلى المنطقة بؤرة خطيرة تمحورت حولها الصراعات على مدى العقود الستة الأخيرة من الزمن.

بدأ التململ ضد النفوذ الغربي بعد الحرب العالمية الثانية، فقد تمكن عدد من دول المنطقة من كسر طوق التبعية للغرب، عبر ثورات أو انقلابات عسكرية تحت واجهات قومية عروبية، إلا أن ذلك لم يدم طويلاً، فقد فشلت هذه الدول في مواصلة مساراتها الجديدة، وعادت إلى مهادنة الغرب، بل والتحالف معه في بعض الحالات.

إلا أن هذه الانكسارات لم تؤثر على مستوى التوجس لدى الشرق أوسطيين من النفوذ الغربي، كما أنها لم تقنع الغرب بالركون إلى الاطمئنان على مصالحه ونفوذه. فالدوائر الغربية في الوقت الحاضر، تعتبر الشرق الأوسط والشمال الإفريقي أبرز مصادر الأخطار التي تهدد المصالح الغربية، وتعتبرهما في المرتبة الثانية بعد إفريقيا السوداء في البعد عن الممارسات الديمقراطية.

كما ترى هذه الدوائر أن معظم مجتمعات الشرق الأوسط تراوح مكانها، في حين يمضي العالم في طريق التقدم بسرعات تتزايد مع الأيام، وتربط ذلك بتقييد الحريات وابتعاد أنظمتها الحاكمة عن الممارسات الديمقراطية. وترى هذه الدوائر أن هناك نزعة لدى شعوب هذه المنطقة نحو الارتداد إلى الخلف، وإعادة الاعتبار لمنظومة قيم لا يستطيع الغرب التعايش أو التفاهم معها.

ويعتبر الغرب أن معظم سكان المنطقة لديهم قراءات خاطئة لتاريخهم، وهم ممزقون بين ولاءاتهم لتراثهم وبين ما تتطلبه الحياة المعاصرة من انفتاح على الآخرين ونزوع نحو الوسطية والمرونة في التفكير وفي الأداء. ويرون أن سلسلة الإخفاقات التي مرت بها دول المنطقة، تعود في الأساس إلى أن قياداتها تخطط وتنفذ ما تمليه أحلام تنسجم مع قراءاتها الخاطئة للتاريخ، بعيداً عن تفهم الواقع.

لم تعد القضية الفلسطينية مصدر عدم الاستقرار الوحيد في المنطقة، بل ظهرت قضايا أخرى أصبحت أشد قلقاً للغرب، أبرزها الطموحات الإيرانية في مجال التكنولوجيا النووية.

كما أصبح التحول في استراتيجيات تركيا موضع قلق للدوائر الغربية، وهي ترى أن حلفاءها في المؤسسة العسكرية التقليدية يفقدون الموقع بعد الموقع، لصالح حزب العدالة والتنمية الأكثر ميلاً إلى الأخذ بمواقف وسياسات تنبثق من الثقافة التقليدية في منطقة الشرق الأوسط.

الشرق الأوسط منطقة مدججة بالسلاح، تتفوق على أية منطقة أخرى في العالم، وهي سوق سلاح لا تضاهيها سوق أخرى. سكانها من أشد المحبطين من السياسات الغربية، الأميركية بشكل خاص، ويرون أن الولايات المتحدة هي المسؤولة عن مصائبهم.

نشوء الحركات الأصولية المعادية للغرب، قد لا يكون أمراً يدعو للاستغراب في هذا التشابك المعقد والمتقاطع في الثقافات، ووسط تزايد القلق حول مستقبل الطاقة لدى الدول الصناعية الكبيرة ولدى الدول الناهضة على السواء.

التوترات في المنطقة قد تزداد حدة، إذ ليس من المتوقع، في الزمن المنظور، أن تشهد منطقة الشرق الأوسط تراجعاً نسبياً في شراهة المدمنين على نفطها وغازها.

من الصعب التنبؤ بما سيكون عليه حال الشرق الأوسط بعد عقد أو عقدين من الزمن، وذلك لأن في هذه المنطقة الكثير من المتغيرات والقليل من الثوابت من جهة، ولأن مسارات مستقبلها مرهون بمصالح قوى بعيدة كل البعد عنها جغرافياً من جهة أخرى..

إلا أن من المرجح أن تبقى للولايات المتحدة اليد الأطول في المنطقة، رغم سعي بعض دولها للحيلولة دون ذلك. كما أنه ليس هناك مبرر للاعتقاد بأن حروباً أخرى لن تشن في هذه المنطقة، فأجواؤها متهيئة بشكل دائم لسماع طبول الحرب.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae