لا شك أن أي مسلم في العالم لا يتحمل بسهولة مشاهدة كتاب الله وهو يحرق، حتى لو كان في حريق غير متعمد، فما بالك بمن يحرقه كراهية وعداء للإسلام والمسلمين.

أمثال هذه الحوادث وقعت في تاريخ الإسلام مرات عديدة، سواء من مسلمين أو من غير المسلمين، وأذكر في سنوات السبعينات الماضية حين كنت أعيش في إيطاليا، وكانت هناك حملات ضد الإسلام كثيرة، وأفلام سينمائية تصور الرسول محمداً عليه الصلاة والسلام والصحابة بشكل سيئ للغاية.

وخاصة أفلام كرتون، وأذكر أنني قرأت في الصحف الإيطالية عام 1977 عن قس بريطاني يقف في حديقة هايد بارك ويشن حملة هجومية على الإسلام، ووصل به الأمر أن فعل آنذاك بكتاب الله أمام الناس ما هو أسوأ بكثير من الحرق.

وما أخجل من ذكره هنا، ولم تكن لمثل هذه الحوادث أية تداعيات، مثلما يحدث الآن، بفضل تقنيات الإعلام والاتصال الحديثة التي تحولت إلى أسلحة أكثر فتكاً ودماراً من الأسلحة النارية، والتي لولاها ربما لما سمعنا عن هذه الأحداث.

هناك تحفظات كثيرة، سواء من المسلمين أو من غيرهم، على مشروع بناء المركز الإسلامي المزعوم في نيويورك، والذي بسببه اندلعت هذه الحملة وهذه المشكلة، وعلى ما يبدو فإن هذا المشروع وراءه دوافع سياسية.

وربما مصالح شخصية كثيرة، خاصة وأن الأموال الباهظة المحشودة لهذا المشروع، تكفي لبناء أكثر من مائة مسجد يحتاجه المسلمون داخل الولايات المتحدة الأميركية نفسها، ناهيك عن خارجها.

وقد زرت الولايات المتحدة منذ بضع سنوات وشاهدت المساجد المتواضعة للغاية هناك، والتي لا تعدو كونها منازل يستأجرها المسلمون ويعدونها على نفقاتهم الخاصة لتكون مسجدا، وفي أحوال كثيرة يضطرون لمغادرتها وإخلائها فجأة.

منذ بداية الحملات الهجومية ضد رموز الإسلام بعد أحداث 11 سبتمبر، والدنيا تقوم وتقعد، ونسمع ضجيجا كثيرا، لكننا لا نرى خطوات فعالة لإيقاف هذه الحملات، بداية بالرسوم المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام في صحيفة دانماركية في سبتمبر 2005.

وبعدها حديث بابا الفاتيكان الذي هاجم فيه الدين الإسلامي بشدة في سبتمبر 2006، وصولا للتهديد بحرق المصحف في سبتمبر الجاري، وكأننا موعودون مع سبتمبر دائما!

تتوالى هذه الأحداث ولا نرى أو نسمع سوى إدانات واستنكارات، أشبه ما تكون بالنواح والبكاء وتوسلات الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة، رغم عددهم الذي يتجاوز المليار بكثير وثرواتهم التي يحسدهم عليها الآخرون، وتتوالى هذه الأحداث المهينة ولم نر في العالم الإسلامي موقفا واحدا إيجابيا وفعالا، على المستويين الرسمي أو الشعبي، يضع حدا لهذه الاعتداءات والإهانات.

هنا من حقنا أن نتساءل عن هؤلاء الذين كانوا السبب الأساسي في هذه الحملة الهجومية على الإسلام، هؤلاء الذين يدّعون أنهم ضربوا أميركا في عقر دارها دفاعا عن الإسلام والمسلمين، هؤلاء الذين يرفعون شعارات الجهاد الإسلامي ويذهبون يقتلون عشرات الآلاف من المسلمين في العراق وأفغانستان تحت شعار مقاومة الاحتلال.

هؤلاء الذين يبيحون لأنفسهم قتل المئات من أبناء عروبتهم ودينهم، بحجة أنهم يحاربون الأنظمة الفاسدة المتحالفة مع أعداء الإسلام، هؤلاء الذين شوهوا صورة الإسلام السمحة، باعتداءاتهم الإجرامية في مختلف دول العالم على الأبرياء من غير المسلمين الذين لم يمسوا الإسلام بسوء، هؤلاء الذين يغمضون أعينهم عن مذابح إسرائيل ضد الفلسطينيين كل يوم..

أين هؤلاء من هذه الحملات الهجومية والإهانات الفجة لرموز الإسلام والتي يستنكرها العالم أجمع؟ هؤلاء الذين لا يحرك حرق كتاب الله ولا إهانة رسوله شعرة في رؤوسهم ولا لحاهم الكثيفة، ولا نسمع منهم ولا حتى مجرد تهديد من تهديداتهم المزعومة، التي يخرجون بها علينا بين الحين والآخر من خلال شاشات الفضائيات التي أصبحوا من أشهر نجومها.

تكشف هذه الحملات الهجومية والإهانات البشعة لرموز الإسلام، الحقائق وتسقط الأقنعة الكاذبة عن هؤلاء الذين يدعون أنهم مجاهدون في سبيل الله؟!

`elmoghazy@hotmail.com