وافق الشعب التركي على التعديلات الدستورية التي اقترحتها حكومة حزب العدالة والتنمية، وجاءت الموافقة لتعكس ثقة الشعب في هذه الحكومة، وفى رئيسها رجب طيب أردوغان.
والحاصل أن هذه الموافقة تجعل المراقب يسعى للتعرف على مستقبل تركيا في ضوء نتائج هذا الاستفتاء، خاصة وأنها أمام استحقاقين مهمين؛ الأول هو انتخاباتها التشريعية المقرر لها أن تجرى العام المقبل، ثم المحادثات بينها وبين الاتحاد الأوروبي من أجل أن تصبح عضوا كاملا فيه.
وهناك العديد من النقاط المهمة الخاصة بهذا الاستفتاء، تجب الإشارة إليها قبل تناول تأثيره على هذين الاستحقاقين. الأولى تتعلق بخطأ ما ذكره معظم المراقبين، حول أن تركيا أنهت مرحلتها العلمانية التي ترسخت مع تأسيس مصطفى كمال أتاتورك للجمهورية التركية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية.
والحقيقة أن نجاح العدالة والتنمية لم يأت لأنه حزب إسلامي، وإنما لأنه التزم بمبادئ الدولة العلمانية.
وما حدث في التعديلات الأخيرة لا يتعلق بعلمانية الدولة، وإنما يتعلق بتقليص سلطة الجيش في الحياة السياسية، أما المبادئ الخاصة بالقضاء، فما حدث بشأنها هو أن المحكمة العليا نقضت التعديلات التي رأت أنها تمثل تدخلا من الحكومة في شؤون القضاء.
وما يمكن قوله، هو أن علمانية تركيا تحولت من علمانية متخاصمة مع الدين، إلى علمانية أخرى تتصالح معه ولا تعاديه.
وثانية هذه النقاط تتعلق بأن الاستفتاء تم التعامل معه على أنه يعتبر في نفس الوقت استفتاء على شعبية الحكومة، خاصة وأن رئيس الوزراء التركي أعلن أكثر من مرة أن حكومته سوف تستقيل في حال رفض التعديلات الدستورية، وأنه ستتم الدعوة إلى انتخابات مبكرة في الشتاء القادم في هذه الحالة.
ونتائج الاستفتاء تؤكد ثقة الشعب التركي أو أغلبيته، في الحكومة التي يرأسها أردوغان، في الوقت الذي تؤكد أن ثقته في المؤسسة العسكرية تتراجع.
وهذا يرجع إلى عدة أسباب، في مقدمتها أن الناخب التركي سئم من تدخلات هذه المؤسسة في الشأن السياسي، وهي التي أدت إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي استمرت عدة سنوات، ولم تنته إلا بعد تولي حزب العدالة والتنمية مسؤولية الحكم.
وقد حقق هذا الحزب معدلات عالية من التنمية، فضلا عن تقليصه لمعدل التضخم، كما استطاع أن ينهي العزلة الإقليمية والدولية لتركيا.
وفضلا عن كل ذلك، فإنه قرب حلم انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لدى المواطن التركي، وهو الأمر الذي مكنه من التصدي لنفوذ المؤسسة العسكرية.
وفى هذا الصدد نشير إلى أن العدالة والتنمية أجرى تعديلات قانونية سابقة، قلصت من نفوذ المؤسسة العسكرية، ولم يكن ليستطيع ذلك دون تأييد الشعب لأدائه على أكثر من صعيد.
وثالثة النقاط تتعلق برد الفعل الدولي على نتائج الاستفتاء، حيث رحب معظم الدول الغربية بهذه النتائج، ما ينفى عنها تهمة هدم العلمانية أو أسلمة تركيا. فقد رحبت كل من الولايات المتحدة وألمانيا بنتيجة الاستفتاء، والذي صوت 58% من المشاركين فيه لصالح التعديلات الدستورية التي اقترحتها الحكومة.
وأصدر كل من الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير الخارجية الألماني جويدو فيسترفيله بيانا رحبا فيه بنتيجة الاستفتاء. وهذا الموقف الألماني بالذات، يؤكد أن دول الاتحاد الأوروبي في معظمها تؤيد هذه التعديلات، وهو الأمر الذي له دلالته على صعيد دور الإصلاحات الدستورية في تقريب تركيا من حلمها بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وإذا كانت نتائج الاستفتاء تعطي مؤشرات على أن الثقة التي أعطاها الشعب التركي لحكومة حزب العدالة والتنمية، بنسبه أعلى من تقديرات استطلاعات الرأي العام، سوف تمكن الحزب من الاحتفاظ بأغلبيته.
فإن هناك مخاوف من أن تسعى المؤسسة العسكرية وباقي مؤسسات وتكتلات النخبة العلمانية، لحشد تحالف قوي يستطيع أن يواجه العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية المقبلة.
وقد يكون ذلك عبر عدة إجراءات، في مقدمتها السعي لعقد تحالفات واندماجات بين الأحزاب الليبرالية القوية، لكي يكون هناك حزب علماني ليبرالي واحد قوي، يستطيع أن يواجه حزب العدالة في الانتخابات، وهذا السيناريو مطروح منذ عدة أعوام.
لكن الاختلافات بين قيادات الأحزاب تحول دون تنفيذه، وبالتالي من الممكن أن تزداد ضغوط المؤسسة العسكرية على هذه الأحزاب، من أجل التوصل إلى هذا الاندماج قبل إجراء الانتخابات التشريعية.
أما الإجراء الثاني فيتمثل في زيادة الهجوم على الأكراد، من أجل دفعهم إلى عقاب الحكومة التي لم تنفذ وعودها لهم بإجراء إصلاحات ثقافية وسياسية لصالحهم، فضلاً عن تنمية المناطق التي يعيشون فيها. وقد جربت المؤسسة العسكرية هذا السيناريو جزئيا قبل الاستفتاء على الإصلاحات الدستورية.
وهناك سؤال آخر مهم وجوهري، يتعلق بما إذا كانت الإصلاحات سوف تساعد تركيا في مفاوضاتها من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أم أنها مجرد تحصيل حاصل، لأن القوى النافذة في الاتحاد تريد أن يظل الاتحاد ناديا مسيحيا.
ومن الواضح أن التصريحات التي صدرت عن دول في الاتحاد حول التعديلات، تؤكد أن القوى التي تؤيد الانضمام التركي، مثل ألمانيا، تستثمر أي خطوة من جانب تركيا تؤكد أنها تتجه إلى الديمقراطية والتعددية الحقيقية، من أجل إضعاف الجناح المناهض لانضمام تركيا للاتحاد. ولكن يبدو أن الموضوع لم يحسم بعد، وإن كانت الإصلاحات قد أعطت قوة دفع إضافية للموقف التركي.
كاتب مصري
ksrgany@hotmail.com
