في الوقت الذي أوقفت إدارة الرئيس أوباما في واشنطن تمويل برامج وكالة ناسا للفضاء بسبب الأزمة المالية، وتبعتها في ذلك الدول الأوروبية، قررت الحكومة الروسية برئاسة فلاديمير بوتين، زيادة ميزانية تمويل برامج الفضاء للعام 2010 وللأعوام التالية.

وما زالت روسيا تنفق على مشاريع كبيرة في الفضاء، وما زالت تتحمل وحدها مسؤولية المحطة الدولية للفضاء، وها هي تبني قاعدة إطلاق فضائي جديدة في أقصى الشرق الروسي، لتكون المطار الثالث لإطلاق المركبات الفضائية بمختلف أنواعها، وتحمل المحطة الجديدة اسم «فوستوتشني»، وتعني بالعربية «الشرق».

وللاسم مغزى ومعنى كبير، خاصة إذا تذكرنا أن هذا بالتحديد هو اسم سفينة الفضاء التي حملت أول إنسان للفضاء في إبريل عام 1961، حيث انطلق رائد الفضاء الروسي يوري غاغارين على السفينة «فوستوك» أي «الشرق».

وبعدها بعامين في يونيو عام 1963، انطلقت للفضاء سفينة أخرى بنفس الاسم تحمل أول امرأة في التاريخ، وهي رائدة الفضاء الروسية فالنتينا تيريشكوفا، التي منحتها منظمة بريطانية عام 2000 لقب «سيدة القرن العشرين».

اختيار الروس اسم «الشرق» لم يأت مصادفة أو دون قصد، ولم يكن فقط رداً على الغطرسة والغرور الغربي الذي دأب على وصف الشرق بالتخلف، ونسب لنفسه وحده دون غيره الفضل في تقدم وتطور البشرية! بل كان أيضاً تأكيداً على انتماء الروس أنفسهم لهذا الشرق، وفخرهم الكبير واعتزازهم بهذا الانتماء.

والانتماء للشرق ينعكس بشكل واضح في الكثير من عادات وتقاليد الشعب الروسي، ولم يكن أمراً عادياً أن يطلق الروس على كنيستهم وصف «الكنيسة الشرقية»، بل كان أمراً متعمداً وذا دلالات واقعية.

كما ينعكس الانتماء للشرق أيضاً وبوضوح، في الأدب الروسي على مر التاريخ، والذي يتميز كثيراً عن الآداب والثقافات الغربية، وهذا ما نلاحظه بوضوح في أدب غوغول ودوستيوفسكي وتشيخوف وغوركي، وفي أدب تولستوي وأشعار ليرمنتوف، وكذلك في أعمال أمير شعراء روسيا ألكسندر بوشكين. هذا الانتماء الذي ما زال الروس متمسكين به في كل شيء حتى في السياسة.

ففي الوقت الذي يهرول فيه بعض دول وشعوب الشرق نحو الغرب، نجد روسيا ترفض حتى فكرة الانضمام للاتحاد الأوروبي، والتي عرضت عليها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم يكن رفضاً سياسياً فقط، بل شعبياً أيضاً، نابعاً من اعتقاد الروس أنفسهم بأن انتماءهم ليس للغرب.

وهو الاعتقاد الذي تدعمه بقوة الكنيسة الروسية الأرثوذكسية الشرقية، التي هي على عداء تاريخي مع الكنيسة الكاثوليكية الغربية، وفي صراع دائم معها وتتهمها بدعم ومنح الشرعية للنزعات الاستعمارية والعنصرية الغربية.

لقد رفع الروس راية الشرق عالية في الفضاء، مؤكدين سبق الشرق على الغرب في العلم والحضارة. وها هم ما زالوا مصممين على تمسكهم بهذا المبدأ، فأطلقوا نفس الاسم على محطة الفضاء الجديدة.

وقد أعلن رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين، في اجتماع عقد يوم 28 أغسطس الماضي حول مشروع إنشاء مطار «فوستوتشني» الفضائي الروسي، أن إنشاء المطار الفضائي الجديد لا يؤكد الدور الرائد لروسيا في مجال تكنولوجيات الفضاء الحديثة فحسب، بل ويأتي دفعة جيدة لتنمية أقاليم الشرق الأقصى الروسي.

منصة الإطلاق الأولى في مطار «فوستوتشني» الفضائي، سيتم تشغيلها بحلول عام 2015، وستنطلق منها الأجهزة الفضائية بمختلف أنواعها، من سفن ومكوكات وأقمار صناعية.

وكذلك المركبات الفضائية المسيرة، ومركبات الشحن، وربما الوحدات الفضائية للمحطة الفضائية الدولية، علماً أن روسيا تقوم الآن بإطلاق أجهزتها الفضائية من مطار «بايكونور الفضائي» الواقع في كازاخستان.

ومن المعروف أنه في ظل تفاقم الأزمة المالية العالمية، وعدول معظم الدول الأوروبية الكبيرة والولايات المتحدة عن الإنفاق على أبحاث الفضاء وبرامج الرحلات للقمر والمريخ والكواكب الأخرى.

فقد أصبحت ريادة روسيا للفضاء وأبحاثه حقيقة وواقعاً يعترف به الجميع، وباتت الولايات المتحدة ومعظم دول العالم تستعين بروسيا لإطلاق الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية، على متن الصواريخ الروسية التي لا يملك الغرب مثلها.

وسوف يتولى مطار «الشرق» الجديد في روسيا قريباً، نقل مركبات الغرب وأقماره الصناعية للفضاء، لتؤكد روسيا ريادة الشرق في أعقد مجالات العلم الحديث، الذي لم يستطع الغرب بنزعاته المادية أن يصمد في منافسة الشرق فيه.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.rua