لا يشحطِ الذئبَ من ذيلِه من يقولُ إنّ اتفاق أوسلو سيّئ، ليس فقط لوضوحِ بديهيّة هذا السوء، ولأنّ الشعبَ الفلسطينيَّ لم يُصارِعْ طوال عقودٍ من النضال والتضحيات ضد محدلةِ التقتيلِ والتهجيرِ والتهويد من أجل «حكمٍ ذاتيٍّ إداريٍّ محدودٍ.
وإنما أيضاً لأنّ الذين طبخوه يعرفون سَوْءاتِه جيداً، فقد صرّح محمود عباس، بعد ساعاتٍ من توقيعِه (بيده اليسرى) على الاتفاق في حديقة البيت الأبيض، إنّ الفلسطينيين لن يأخذوا أكثرَ مما سيعطيهم إياه الإسرائيليون.
ويتذكر كاتبُ هذه السطور أنّه كان، قبل 15 عاماً، في جمعٍ من الفلسطينيين في عاصمةٍ عربية أسْمَعَ ياسر عرفات مآخذَ غيرَ قليلة على «أوسلو»، فعقّب الزعيم الراحل، وكان قد أخرج كاميرات التلفزيون من القاعة، بإضافة مآخذَ أكثرَ أهميةً مما قلناه.
مرّت الاثنين الماضي الذكرى السابع عشرة لتوقيعِ «إعلان المبادئ بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل حول ترتيبات المرحلة الانتقالية للحكم الذاتي»، وهذا هو اسم الاتفاق، من دونِ اكتراثٍ بها، ما قد لا يعودُ إلى أنّ الذكرى غيرُ طيبة، بل لأنّ وطأة التردّي في الراهن الفلسطيني ثقيلة.
ولن يزيدَ في الطنبورِ وتراً من يستدعي المناسبة إلى الأذهان ليزيدَ ويعيدَ ضد الاتفاق اللعين. ولكنْ، تعالوا نتذكر أنّ الاتفاق العتيد لم يتمّ تنفيذُ كامل بنودِه وخطواتِه، وأنّ حكوماتِ إسرائيل عَمَدَت إلى تحطيمِ مخرجاتِه الجزئية، ووقفِ تطبيق ما عليها من التزاماتٍ بموجبه.
ويعني هذا أنّ سبب سوءِ السنوات التالية على حفلة البيت الأبيض الشهيرة، ليس الاتفاقُ نفسه، بل التنصّل الإسرائيلي من إنزالِه إلى الواقع، وهو الذي روّج له إسحق رابين أمام الكنيست باعتبارِه «انتصاراً للصهيونية».
لم ير إرييل شارون في «أوسلو» غيرَ أنه واحدةٌ من بدعِ شيمون بيريز، فعمل، فورَ توليهِ رئاسة حكومة إسرائيل، على تدميرِ كل الأشكال الجنينية للكيانية الفلسطينية التي يسّرها الاتفاق، ومنها المطار الفلسطيني في غزة، واستهدفَ في غيرِ حملةٍ عسكريةٍ المؤسسات الأمنية والسياسية.
وذلك بعد أن أجهز رابين وبيريز وباراك على وجوبِ الالتزام باستحقاقات «أوسلو» في مواعيدِها غير المقدسّة، بحسب رابين الذي كان من أبرز صنّاع الاحتلال وجنرالاته، لكنّ قاتله رأى يهوديته ناقصةً، لأنّه تنازل في «أوسلو» عن بعضِ «أرض الميعاد»(!).
هذا هو الوعي الإسرائيلي المستحكم الذي يجعل محمود درويش محقاً في قولهِ مرّةً، إن خوف الإسرائيليين من سؤالِ الوجودِ والحدود يمنعُ تقدمّهم في المفاوضات مع الفلسطينيين.
ويجعل الدهشة لا سقفَ لها من قولِ أكثرِ الرؤساء الأميركيين انخراطاً في «التسوية»، بيل كلينتون، إنّ سبب تعقيد القضية الفلسطينية أنّ اليهود عندما قدموا إلى أرضهم الموعودين بها، ليقيموا عليها دولتهم، وجدوا ناساً يقيمون عليها.
أنْ نتذكّر «أوسلو» يعني أن نتأمل في إعادتِه 300 ألف فلسطيني، وفي الممكناتِ التي تؤشر إليها نصوصُه، في اتجاه دولةٍ فلسطينيةٍ لم تتضمنها تلك النصوص، وانسحاباتٍ متتالية تنتهي بانسحاب من الأراضي المحتلة في 1967 لم تتضمنه تلك النصوص، وفي اتجاه إقامة الفلسطينيين مؤسساتِ إدارةٍ وحكمٍ وتنميةٍ تفكّ الروابط الثقيلةِ مع الاحتلال تدريجياً.
وأن نتذكر «أوسلو» يعني أن نتذكّرَ أن إسرائيل هي التي جوّفته، وجهدت في تهشيمِ ممكناته وآفاقه. وفي أثناء اشتباكاتِه التفاوضية الكفاحية بعد «أوسلو»، كان عرفات يقول إن الشعب الفلسطينيَّ لا يطلبُ القمر من الإسرائيليين، بل البتّ في القضايا العالقة واتخاذ القرارات بشأنها.
وفي رجعِ صديً لذلك المطلب المشتهى، قال صائب عريقات، قبل أيام، إنّ الشعب الفلسطيني ليس في حاجةٍ إلى إعادة اختراع العجلة، فالوقت للقرارات وليس للمفاوضات.
وبعد 17 عاماً مضت، يتبين أنّ إعادةَ اختراعِ العجلة وتوفيرَ القمر للفلسطينيين، أيسرُ من أن تُشفى إسرائيلُ من خوفِها من السلام الذي له استحقاقاته... وللتذكير، هذه لم يُشهرْ محمود عباس تنازَله عنها.