أصعب شيء أن تتداخل الأمور وتختلط، وتصبح أشبه بالخيوط المتشابكة التي تشكل عُقداً يعسر حلّها على أشد الأنامل رقة ورهافة، وأحدّ العيون نظراً، وأكثر العقول تمييزاً وذكاء.
حياتنا عبارة عن عقد متتالية ناتجة عن اختلاط خيوطنا الخاصة ـ بما فيها من تجارب وخبرات ومواقف وغير ذلك ـ بخيوط آخرين نرتبط بهم لسبب أو لآخر، لكن بعض هذه العقد تكون سلسة مرنة، سهلة في انعقادها، وفي استمرار وجودها كعقدة في النسيج الكلي لحياتنا، لأنها جزء لا يتجزأ منه.
وهي في الوقت نفسه جزء منسجم مع المحيط الذي تقع فيه، غير بارز ولا شاذ، ولا يوحي بشيء من الصعوبة في التعامل معه، كما لا يوحي بالتسلط أو بالقسوة، ولا بأي معنى سلبي.
في حين أن بعضها يتصف بعكس كل هذا تماما، ويبدو واضحاً لمن يرى النسيج للوهلة الأولى أن هذه العقدة ناتئة بارزة غير منسجمة مع ما يحيط بها، ومن الطبيعي أن وجودها سيثير الكثير من المصاعب النفسية على وجه الخصوص.
المصاعب النفسية أشد إيلاماً من المتاعب الجسدية، فالوقت الذي قد نستغرقه في حلّ عقدة حقيقية مهما كانت صعبة، والجهد الذي نبذله في ذلك يمكن أن يُحتمل، لكن الألم النفسي الذي يتسبب به التعامل مع عقدة، أي موقف مصيري معقد، في حياتنا، مع إحساسنا بعدم قدرتنا على التوصل إلى حل مناسب له، لا يمكن أن يُحتمل، ومن الممكن أن يؤدي إلى نتائج غير محمودة.
فليفكر كل واحد منا في حياته، وفي سيرورتها، وفي الأشخاص المؤثرين فيها سلباً وإيجاباً، وفي الظروف التي ساهمت في تكوينه وتشكيله على النحو الذي هو عليه، فسيجد أنها في كليتها تشبه النسيج المتداخل الخيوط، الذي لا يستطيع أن يفصل فيه خيطا عن آخر دون أن يتسبب في خلخلة بنية النسيج الكلية، وإرباك نظامها الذي كان يحكمها.
على الرغم من كونه سلسلة من العقد المتتالية، العقد الطبيعية التي يجب أن تكون موجودة حتى يكون النسيج، فما حياتنا إلا هذه العقد والتشابكات، بالإضافة إلى تلك العقد «المعقدة» صعبة الحل، التي تجبرنا أن نقف عندها ونتأملها، وكأنها محطات أساسية في هذا النسيج لا نملك تجاوزها، وكأنها غير موجودة في مكان ما هناك.
بعضنا يمتلك القدرة على الصبر في مواجهة مثل هذه العقد التي تطرأ له بين حين وآخر في نسيج حياته، فيتعامل معها بأناة وروية، ويحاول أن يجاريها ويداريها إلى أقصى مدى يستطيعه، وهو يعلم جيدا أنه لو أراد أن يمزقها ويمزق ما يربطها بالنسيج الذي تمثل جزءاً منه.
فإنه يستطيع ذلك بكثير من السهولة، وقليل من الحكمة، لأنه يدرك أنه حين يمزق الروابط التي تربطها بالنسيج الذي حولها، فإنه سيفصلها عنه تماما، سيعلن القطيعة بين هذه العقدة الناتئة وبقية النسيج «المنسجم» مع بعضه، ولن يعود هناك مجال كبير لإعادة ما تمزق كما كان، وإن عاد على نحو ما، لكنه لن يعود كما كان.
بعضنا الآخر، على العكس من أولئك، لا يمتلكون الكثير من الصبر، وتغلب عليهم العجلة والتسرع، ويضيقون ذرعاً بكل ما يقف في طريقهم، فلا يترددون في تمزيقه وتفتيته، ولو تطلب الأمر تقطيعه إربا إربا.
المهم ألا يقف في طريقهم أي شيء، وألا تعترضهم أي عقد، وكأنهم لا يعرفون أن الحياة مهما كانت جميلة فإنها لا تصفو دائما، ولا بد أن يعكر بياضَ أيامها ولو خيط بسيط من سواد لياليها.
لو تأملنا كل شيء جميل حولنا سنجده يقوم على هذه القاعدة، لا بد من وجود شيء يعكر صفو الجمال، ولا يوجد جمال مكتمل إطلاقاً، فلماذا يتوقع البعض منا أن تكون حياته استثناء على هذه القاعدة الكونية؟
أو لماذا يطالب بأن يكون هو بالذات صاحب هذا الاستثناء؟ أليس هناك من هو أفضل منه بأي معيار من المعايير كي يكون أولى باستثناء عظيم كهذا، يضعه في كفة، والكون الباقي بكل ما فيه في كفة أخرى؟
ما المشكلة التي تمنعنا إذن، ونحن نعي كل ما قيل حتى الآن جيدا، ولا نحتاج إلى أن يخبرنا به أحد، أو حتى يذكرنا به، من أن نتقبل وجود هذه العقد الناتئة، صعبة الحل والفك.
غير المنسجمة مع بقية نسيجنا الحياتي؟ ما الذي يمنعنا من أن نرى الحياة من منظورها الواقعي ويغمرنا، على الرغم منا، في عوالم أحلام المنام واليقظة، وكأننا لا نصحو منها أبدا؟
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com