اضحكني الخبر المنشور بالأمس عن المتسول الآسيوي الذي ضبطته شرطة أم القيوين عند أحد المساجد يتسول وفي جيبه 39 ألف درهم، فهذا متسول غني، وبمحليتنا (طلاب راهي يمشي ويتقلب على بروده)، تذكرت الطيبين الذين مروا من أمام يده وأنقدوه من خير الله.
وبما جادت به أحوالهم المادية، وطاف أمام عيني ذلك الخير الطيب من عباد الله، رجل قد لا تسكن جيبه سوى ورقة العشرة دراهم، سحبها ووضعها في يد هذا المتسول النصاب، إشفاقاً على حاله، في الوقت الذين تسكن جيب هذا النصاب الآلاف من الدراهم.
والمفارقة المضحكة ليست بسبب جيب هذا النصاب المنتفخ بدراهم الخيرين الذين غرر بهم، ولكن للحال الذي وصلت إليه عمليات النصب استغلالا لكرم أهل الدار وقاطنيها، فلدينا فعلاً أناس أغراب وجدوا ضالتهم في طيبتنا وكرمنا وخيرنا وراحوا يتفننون إلى اللعب على ذقوننا.
تذكرت النصابين الكبار، والشحاتين (الراهين) وغيرهم من أصحاب الدجل والشعوذة الذين تكاثروا بالمئات ويسكنون بلادنا ويقدمون إليها بنية مبيتة على ممارسة ألاعيبهم اعتمادا على أن أهل البلاد يجودون ولا يردون السائل.
وقع النصاب في فخ الحملات التفتيشية، والتي نطالب بضرورة تكثيفها ليس فقط في المواسم، بل في جميع الأوقات، إذ يجب أن تستمر هذه الحملات لتنظيف شوارعنا من هؤلاء الذين جاءوا لكي يعيثوا في الأرض فساداً.
فهذا النصاب تبين لرجال الأمن انه يعمل في ورشة تصليح سيارات! ومن أمثاله كثر جادت بأخبارهم الأخبار، ووقع بعضهم في شرك أعماله السيئة.
النصاب (الراهي) مصطلح قد ينسحب على أناس عديدين تفننوا في النصب بأساليب مختلفة، لدرجة أن الأمر بات سلوكاً، وظاهرة واضحة يستغل فيها أصحابها طيبة الناس هنا.
لهذا نصر على أن تبقى حملات التفتيش مستمرة وقائمة، فمجتمعنا مصاب بآفات عديدة لم يعرفها ولم تمر عليه من قبل ولم تنبت فيه، بل جاءته وافدة وإصابته بالضر والضرر، هذه الآفات هي التي يجب أن نحاربها بقوة لنبقي على أصالة ونظافة مجتمعنا من هذا الشر والخبث الذي يتسرب إلينا ويأتينا من بعيد.
فإلى اليوم هناك من يطرق أبواب البيوت والشقق تحت غطاء جمع الصدقات والتبرعات لبناء أبنية ومساجد ومستشفيات، رجال ونساء لا يعرف الواحد منا كيف دخل وكيف يقيم هؤلاء في البلاد..
والأدهى من ذلك والأمر أن بعضهم من نساء ورجال يلبسون الزي المحلي والغريب الذي يشاهدهم يظنهم من أهل البلاد ومواطنيها.
نعلم أن الجهات المعنية تكرس حملات تفتيش لم يسبق لها مثيل، ونقدر الجهود التي قامت بتنظيف البلاد من آلاف من هؤلاء، لكن لأن الأمر أكبر بكثير ولأن المسألة استفحلت، يبدو أننا بحاجة لمضاعفة الجهود ولتكاتف الجميع حفاظا على مجتمعنا الذي ابتلي بما يأتيه من بعيد!
mhalyan@albayan.ae
