ومتى كان العنف اللبناني ظاهرة محكومة بالعقل؟

كل الذين خطر لهم هذا السؤال، حملوا الجواب على محمل البداهة: لم يكن عنف اللبنانيين يوماً سوى ظاهرة مذمومة أطلقتها غرائز الطوائف.

لكن هذا الجواب يبقى غامضاً وغير ناجز، ما دام الكثيرون سيقولون إن العنف أيضاً هو من عمل العقل الذي أطلقه ونظمه ومنحه العناية الفائقة.

ثمة إذا مهمة للعقل في هذا العنف، فكيف نرى إلى تلك المهمة؟

في مستهل مقالته «اليوتوبيا والعنف Litopia and Violence» يكتب الفيلسوف السياسي كارل ور ما يلي: «القول إن من الممكن تخفيف العنف وإخضاعه لسلطان العقل، قول لا ينطوي بالضرورة على أملٍ كاذب.

ولربما كان هذا هو السبب نفسه الذي يجعلني ـ كالعديد من الآخرين ـ أومن بالعقل، كما أنه السبب الذي يجعلني أنعت نفسي إنساناً عقلانياً..»، ثم يختم: «إنني إنسان عقلاني، لأنني أرى في موقف التعقُّل البديل الوحيد للعنف»...

لا يحتاج الأمر في لبنان إلى عارفين بالفلسفة السياسية، لكي يتدبَّروا مثل هذا الكلام. فالسؤال عن العقل واستعادته ليكون حامياً للبنان من العنف، هو سؤال جائز. وجوازه يكمن في إمكانه، فضلاً عن إمكان وقوع الجواب عليه.

صحيح أن لبنان الآن هو في قلب الأزمات المفتوحة، وأنه قاب قوسين أو أدنى من عنف أهلي يعدُّ له بإتقان، لكن الصحيح أيضاً، أن بالإمكان اجتناب النار، والنأي بالبلاد عن الكوارث الأهلية المحدقة.

تبدو هذه المعادلة مستحيلة بالنسبة لكثيرين خَبِروا الأزمنة المتعاقبة التي عاشها لبنان، على مدى تشكُّله ككيان سياسي مستقل. فهؤلاء باتوا ينطلقون من فرضيات مؤدَّاها أن دورات العنف تدخل في أصل النشأة اللبنانية، وأنها من طبائع هذه النشأة، وأن العنف، والعنف المسلح خاصة، هو عَرَضٌ من أعراض اللعبة السياسية، وأنه قبل كل ذلك، سمة من السمات المؤسِّسة لتلك اللعبة.

عندما يكون فهم العنف السياسي الذي يجتاح لبنان اليوم قائماً على هذه الاعتبارات، فإن مساحة الكلام على عقلانية تحمي البلاد من التنازع، تتقلَّص إلى حدها الأدنى. بل أكثر من ذلك، فلقد ظهر عنف الطوائف اللبنانية في أحيان شتى، وكأنه أمرٌ محمول على حكم القضاء والقدر.

وثمة من يستدل على هذا بالإشارة إلى الصَدعِ الذي يعصف بصيغة الكيان اللبناني، كلما مرَّ عقد من السنوات أو يزيد بقليل، على إبرام أي تسوية بين طوائفه السياسة. فالانفجار الأهلي الدوري، بات أقرب إلى قانون مثير للهلع.

وهو قانونٌ يصعب تفادي أحكامه ومؤثراته، كلما عصفت بلبنان رياح التحولات الإقليمية والدولية. مع ذلك، فللمعادلة اللبنانية التاريخية وجه آخر. يجوز لنا القول إن في المعادلة إياها، إمكانات لإنتاج سياقات حقيقية يمكن توظيفها من أجل منع العنف.

وقد يكون في المشهد اللبناني الجارية وقائعه هذه الأيام، ما يمنح تلك السياقات قوامها ومشروعيتها. فما لا يشكُّ فيه، أن كل ما يُراد للبنان الآن، هو أن يهوي وشعبه وقواه السياسية والمدنية إلى مستنفع الفتنة، بعدما هوت طبقته السياسية إلى ما دون السياسة.

نزعم أن ثمة إرادة لبنانية لدى أبناء الطوائف والمذاهب جميعها، للأعراض عن العنف، وعدم الدخول في جحيمه المدَّمر. وهذا مرُّده إلى حدسٍ شعبي لبناني، يستشعر هول الكارثة قبل وقوعها، حتى إذا وقعت لم يستجب لها إلا من وجد في العنف سبيلاً إلى قلب المعادلات وإعادة تشكيل الأوضاع، وفقاً لرغبات ومصالح لا تمت إلى مصلحة لبنان والعرب بأية صلة.

صحيح أن مبدأ العنف يقع في أساس نشوء لبنان منذ العام 1920، لكن من ضرورات اللحظة الراهنة القول إن تقديم العقل على العنف، سيمكِّن اللبنانيين من اجتناب اختبارات الموت المفتوح.

نعود ونسأل: هل من سبيل إلى ذلك؟

بلى.. ذلك على الرغم من كل هذا التحشيد الهائل لعناصر الفتنة. وفي التجربة التاريخية اللبنانية الكثير من النوافذ المشرعة على درء العنف، أو وقفه عند جولته الأولى.

فسنرى ممن سمّوا «حكماء الكيان»، كيف كانوا يحذرون على الدوام من التسليم بمبدأ العنف، الذي يحكم شروط اللعبة السياسية في لبنان، على اعتبار أن التسليم به يسوَّغ موضوعياً للحروب الأهلية، ويؤسس لها ثقافياً بوصفها قدراً لا رادَّ له.

من هؤلاء من ذهب إلى وجوب المحافظة على الميثاق التوافقي، الذي أبرمته الطوائف عند تأسيس لبنان في العام 1920 ثم كرسته في العام 1943، ثم أعادت إنتاجه في اتفاق الطائف عام 1989، ثم أكّدته مجدداً في الدمعة عام 2008. لقد آمن هؤلاء بضرورة المحافظة على هذا الميثاق، والنظر إليه كتقليد يضمن بقاء الكيان ويحميه من العنف.

يرى المورّخ كمال الصليبي أن «في لبنان عنفاً كامناً، لا يمكن احتواؤه إلا بالرأي السياسي الصائب». ونضيف: بالتزام التعقُّل في لحظة احتدام الغرائز، حيث تشعر كل طائفة حينها بخطر الموت والاندثار.

هنالك، إذاً، مساحة بيِّنة بين طور وطور من أزمنة العنف اللبناني، هي مساحة تهادن بامتياز. إنها تلك المساحة التي يكون فيها للعقل المسدَّد بالأخلاق حضورٌ في السياسة. وتفصح الدراما اللبنانية عن حقيقة أن الحرب الأهلية ما كانت لتستغرق كل هذا الزمن، وأن تفضي إلى ما أفضت إليه، لو كان ثمة عقلٌ جامع ينتج رأياً عاماً يصونه ويحميه.

في مطلع السبعينات، أي عشية الحرب الأهلية، كانت اللعبة السياسية قد بدأت تنحط إلى مستوى الشجار العام، وقد دخلت أطراف خارجية في اللعبة لتضيف إليها زخماً وتعقيداً. ومنذ ذلك الوقت بدت صورة لبنان مملوءة بالضباب، لكأنما حلَّت عليها آفة لا شفاء منها، من العنف المستديم.

اللحظة اللبنانية الراهنة، هي ضربٌ من الاستئناف المألوف لعنف طال أمده، فهل يقوم التعقل بوضع حد له؟

لنكن مغالين قليلاً بالتفاؤل: لا مناص لنا من الاعتصام بعقل يعيدنا إلى فردوس التسويات، قبل حلول الخراب.

باحث ورئيس تحرير «مدرات غربية»

mahmoudhaidar327@gmail.com