المتطرفون وحدهم المستفيدون من تكريس 11 سبتمبر موسماً للكراهية والغضب. الجدل المثار عن بناء مسجد نيويورك يصب الزيت على فتنة السنوات التسع. المعتوه تيري جونز ليس طرفاً أصيلاً في القضية. قس فلوريدا المغمور ركب موجة البغضاء للمسجد بحثاً عن مخرج مشرف من مأزقه المأزوم.

مغامرة جونز خاسرة، ثمرة فاسدة للحقد المشرّب بالجهل. هو في الوقت نفسه بالون شاذ نفخ فيه إعلام شبق لكل ما هو شاذ.

تحت إغراء الفضائحي والغرائبي يفقد الإعلام الفضائي المفتوح أحياناً عقلانيته وموضوعيته. تلك قضية أخرى في جوهرها غير أنها مساهمة حيوية في إذكاء الكراهية والغضب بين الشرق والغرب. هي مساهمة متعمدة لنفخ النار في «الإسلاموفوبيا».

تيري جونز تراجع عن مغامرته الحمقاء بحرق القرآن الكريم تحت ضغوط أميركية رسمية. الضغوط نفسها تنطلق بهاجس الرعب من رد الفعل على الجنود الأميركيين في بلاد إسلامية. مثل هذه الضغوط تنبع وتصب في ظاهرة «الإسلاموفوبيا». تضخيم الظاهرة على هذا النحو يحدث خلطاً ضاراً بين سماحة الإسلام وغلو المتطرفين.

باراك أوباما يبذل جهداً لا يمكن إنكاره في الدفاع عن حرية المسلمين وحقوقهم في المجتمع الأميركي. جهد أوباما يتضمن كذلك مساهمة مقدرة من أجل إطفاء الكراهية تجاه الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة.

عمدة نيويورك ديفيد باترسون يسير على طريق باراك في الدفاع عن حقوق المسلمين وحرياتهم. العمدة عرض على القائمين بأمر مركز ومسجد نيويورك خياراً مغايراً في مانهاتن ضمن محاولات نزع فتيل المواجهة بين المتطرفين في المدينة.

ربما يرى بعض المسلمين في تحريك موقع المسجد مساساً بالدين الحق وتفريطاً فيه. بعض آخر ينظر إلى ذلك باعتباره انكساراً أمام أعداء لا يمكن الاستسلام لهم. ثمة فريق من المسلمين لا يرى في نقل المركز إلى جهة أخرى في نيويورك مساساً بالإسلام أو تفريطاً في حقوق المسلمين.

على نقيض ذلك يؤمن أولئك بأن من شأن مثل هذه الخطوة قطع مشوار طويل على طريق استبدال التسامح بالكراهية.

على المدى القصير تجهض هذه العملية لا محالة الاحتقان المفتعل تجاه المسجد، كما تسهم في هدم جدار الكراهية المتصاعد بين الإسلام والآخرين. التجاوب مع جهود الرئيس الأميركي وموقف عمدة نيويورك مطلب ملح في القراءة السياسية.

بناء مسجد نيويورك في «غراوند زيرو» لن يضيف إلى الإسلام رصيداً. تحريك المسجد إلى موقع مقابل لن ينقص الإسلام شيئاً.

المتطرفون وحدهم يخوضون معركة متعمدة لذاتها. من شأن أنصار أصحاب «غزوة نيويورك» التباهي ببناء المسجد باعتباره إنجازاً يعقب انتصارهم المزعوم في دك البرجين.

هذا هو التصور نفسه المجسم لدى المتطرفين على الجانب الآخر.ربما يكون المسلمون الأميركيون أكثر حاجة من غيرهم لكسر النظرة الضيقة المهيمنة على الموقف حالياً. بمثل هذه المرونة يكون أولئك أكثر قدرة على تقديم نموذج جاذب للتسامح والتعايش.

معالجة قضية مسجد نيويورك تهم في الواقع المسلمين في أميركا، قبل وأكثر، من المسلمين خارجها. حينما تأتي ردود فعل غاضبة على المتطرفين الأميركيين المسيحيين في بقاع العالم، فإن الولايات المتحدة ستضيّق على المسلمين فيها كما ستخسر الشعوب المسلمة في قارات الدنيا أكثر مما تربح في قضايا عدة من غير الممكن حلها دون مبادرات أميركية.