الانقطاع عن الكتابة طيلة أيام الإجازة وأيام رمضان في هذا المكان بالذات، لم يكن سهلا.. صحيح أن المرء يحتاج إلى استراحة المحارب كاحتياجه لأساسيات الحياة.
وصحيح أن التأمل عن بعد يجعل الرؤية أكثر وضوحاً وشفافية، لكن ان تفارق من يتواصلون معك، من يحبونك، من تتلقف اتصالاتهم وتعليقاتهم عند كل إشراقة شمس يوم جديد، فهو أمر صعب..طيلة فترة الاستراحة من عناء هذه الأسطر، كنت امسح ما أمامي من حوادث وأخبار.
ومن «سوالف» تتناثر هنا وهناك، بحكم العادة والتعود، بحكم لزوم ما يلزم، وبحكم الهاجس الصحفي، حتى وإن كانت الاستراحة إجازة سنوية، أو عملا في مجال التحرير المكتبي بعد العودة من الإجازة في منتصف شهر الصيام، تبقى الأمانة الصحافية تمارس سطوتها، وسحرها وجنونها، تفتش عن الأسئلة.
وتبحث إجاباتها، تراقب المتحرك والثابت وتجرب القياس، ترصد بعين اللص الظريف، ما يتسرب وما يطفو على سطح الحياة من هموم، هي هموم بعضها بسيط وصغير كالخدوش الصغيرة التي تصيب أنامل مزارع حقل الورد.
وبعضها كبير وغائر يشعل فتيل الهم، لكن ما يخفف هذا كله، أن هذه البقعة من الأرض، وناس هذه البقعة ما زالوا يعتمرون التفاؤل والعمل، وما زالت الهمم تدفع بأشرعة ومجاديف السفينة إلى مسيرها الصحيح..
اليوم نسمع بشائر أكثر إشراقا واخبارا تبعث على الفرح. فهذا البلد الذي يصونه رجال وفرسان مخلصون، يعبر فوق أكبر أزمة هزت العالم، ويتعداها إلى تباشير نحو النماء..
وبالأمس تزف الإمارات خبرا لأهلنا في فلسطين، وكعادتها، حينما قررت منح السلطة الفلسطينية دعما ماليا لتعينها على تجاوز أزمتها المالية، ولكي يبقى الأهل هناك صامدين أمام العدوان الغاشم، يصدونه بثباتهم واستقرارهم الاقتصادي..
واليوم تدور آلة التعليم وتفتح منابر العلم أبوابها لمئات الآلاف من الأطفال والتلاميذ والطلاب والجامعيين.. تباشير شتاء مغمس بالعمل والتفاؤل والانجاز. تمضي المواسم وتجيء محدثة فينا تقلباتها ورغباتها، وفي كل رحلة من المفترض أننا دفعنا إلى أنفسنا بمزيد من الجد والتجديد.
ألتقيكم اليوم، أعود لآرائكم، لشكواكم، لما تطلبون أن يصل إلى مكتب مدير أو وزير أو مسؤول، نعود إلى ممارسة الكشاف اليومي الذي يرصد نبض الحياة بتفاصيلها، فهذه المساحة ليست هبة مجانية، ولا هي نافذة للتنفيس والاستهلاك الاعتيادي.
إنها منبركم، منكم ولكم، هي مساحة تهديها صحيفتكم إليكم لكي تمارسوا فيها حواركم البناء، هدفها الأعلى والأسمى هو السمو بهذا الوطن العزيز الغالي، ان تشرق شمسه كل صباح وهي مغمسة بالتفاؤل والفرح، حتى وإن كان هذا الفرح قد سرى فوق ناقة الشكوى.
فنحن وأنتم حينما تشكون من نقص ونواقص، فإنما تسدون ثغرات في جدار البناء، هي الشراكة الحقيقية وهي نقطة الوصل، المسؤول من واجبه أن يسمع ويرى ويقرأ، والمواطن من حقه البوح بهمومه وخلجاته.
نفتح الدفتر من جديد، نقرب المحبرة والقلم، حتى وان كانت محبرة الكترونية وقلما تحول إلى كبسات فوق لوح بلاستيكي، ففي النهاية كلاهما يطبعان حروفا وكلاما.. وكل عام وأنتم وطن.
mhalyan@albayan.ae
