الاتحاد من أجل المتوسط معتلّ الصحّة. إن هذه المنظّمة التي جرى الإعلان عنها أثناء قمّة باريس في 13 يوليو 2008 بحضور مسؤولين من 43 بلدا، قررت تأجيل قمتّها الثانية المقررة سابقا في شهر يونيو الماضي، إلى شهر نوفمبر المقبل.
وللتذكير، كانت فكرة قيام هذه الشراكة المتوسطية الجديدة قد جرى إطلاقها من قبل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عام 2007، عندما كان مرشحا للرئاسة. وكان الغرض منها هو إنعاش مسيرة برشلونة لعام 1995، والتي لم تستطع تحقيق أهدافها بعد عشر سنوات من انطلاقها.
وكان المشروع قد تلكأ منذ انطلاقه تحت اسم «الاتحاد المتوسطي»، بحيث يضم بلدان المحيط المتوسطي فقط، وتعرّض للنقد الشديد من قبل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل. لقد أعلنت ميركل عن رفضها لأن تقوم الأموال الأوروبية بتمويل هذه المبادرة، إذا لم يتم إشراك البلدان الأوروبية غير المتاخمة للبحر المتوسط في المشروع.
كان الموقف الألماني منطقيا، وكانت السيدة ميركل تخشى أن يساهم هذا المشروع في تقسيم الأدوار بين فرنسا وألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي، واعترتها الظنون أن باريس تريد إحياء مناطق نفوذ القوى الكبرى على شاكلة القرن التاسع عشر.
بحيث تختص ألمانيا بأوروبا الوسطى والشرقية، بينما تتولّى فرنسا المنطقة المتوسطية، وهذا يعني الذهاب في منحى مغاير للمسار الحالي للاتحاد الأوروبي. وكان على الرئيس ساركوزي أن يرضخ ويقبل دمج الاتحاد المتوسطي في الاتحاد من أجل المتوسط، حسب التسمية السارية.
وفشلت كذلك الفكرة الأخرى للرئيس ساركوزي، التي تكمن في اقتراح أن تأخذ تركيا مكانها داخل الاتحاد من أجل المتوسط، كجائزة تعويضية عن دمجها الكامل داخل الاتحاد الأوروبي. وقد كان ذلك ينمّ في الواقع عن عدم فهم العمق الأوروبي للمشروع السياسي التركي، وعن الاستخفاف بقادتها ظنّا أنهم سيقبلون مثل هذه المناورة.
ضمن هذا السياق المعقد جرى الإعلان عن الاتحاد من أجل المتوسط، وبسرعة تأكّدت مركزية الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي الذي ظنّ البعض أنه تمّ تجاوزه. إن عدم الوصول إلى حل لهذا الملف يمنع الاتحاد من أجل المتوسط من الازدهار عمليا، ومن تنفيذ المشاريع المعلنة.وطالبت جامعة الدول العربية بأن تكون جزءاً من المشروع، مما أثار قلق إسرائيل واستياءها.
وعدم القدرة على تعيين أمين عام طيلة أشهر، وعدم تحديد عاصمة عربية كمقر للأمانة العامّة ـ جرى في النهاية اختيار برشلونة ـ كانت بمثابة مؤشرات على الصعوبات وعلى حالة الإعاقة التي يعاني منها الاتحاد من أجل المتوسط.
وزادت عملية الرصاص المسكوب الدامية التي قامت بها إسرائيل على قطاع غزّة في نهاية عام 2008، من التوتر بين دول الاتحاد من أجل المتوسط، وأعلنت عن تجميده عمليا.
تنبغي الإشارة أيضا إلى أن الأزمة المالية العالمية لها كذلك، للأسف، آثارها السلبية على المشروع. وتكشّف أنه من المستحيل جمع الأموال الضرورية لتمويل المشاريع الستة المقرّة، أي إنهاء تلوث البحر المتوسط، والطرق البحريّة والبريّة، والحماية المدنية، ومصادر الطاقة البديلة والخطّة الشمسية المتوسطية، والجامعة الأوروبية ـ المتوسطية، والمبادرة المتوسطية لتنمية الشركات، خاصّة الصغيرة والمتوسطة منها.
وهناك ملاحظتان إضافيتان يمكن تقديمهما، لفهم أسباب الفشل الذي يلاقيه اليوم الاتحاد من أجل المتوسط. الملاحظة الأولى تكمن في اعتقاد العديد من المسؤولين في بلدان الاتحاد الأوروبي، أن تنمية الروابط الاقتصادية وتعميم التبادل الحر، سيؤدي إلى رفع التحديات السياسية، وأنه بفضل هذا النوع من الروابط ستنتهي البلدان المعنيّة إلى الاندراج في دورة جيّدة، تقود من السوق إلى الديمقراطية.
هذا وهم كامل، إذ لم يتم أبدا رفع التحديات الديمقراطية بمجرّد تطبيق لعبة السوق الحر والمنافسة الحرّة. وبلدان جنوب وشرق المتوسط تركّز على الخصوصيات الثقافية والتاريخية، ولا تقبل بالوصاية الأوروبية سوى في مجال الإصلاح الاقتصادي.
وهذا ما يفسّر كون أن مشاريع الاتحاد من أجل المتوسط هي أساسا من طبيعة اقتصادية، وأن قادة بلدان شرق وجنوب البحر المتوسط يرفضون بعناد التطرّق لمسائل الإصلاح السياسي.
الملاحظة الثانية هي أن الجوانب السياسية للتقارب بين بلدان الاتحاد الأوروبي وبلدان جنوب وشرق البحر المتوسط، قد جرى إهمالها. هذه نقطة أساسية، مع وجود تخلّف كبير على الصعيد الديمقراطي في منطقة جنوب وشرق البحر المتوسط، باستثناء تركيا. وينبغي أن لا يبقى الأوروبيون في موقع من يلقي الدروس، فالديمقراطية لا يمكن تصديرها من الخارج.
وفي المحصلّة، نبدو بعيدين اليوم عن التصدّي للتحديات الحقيقية التي يطرحها مشروع الاتحاد من أجل المتوسط.
المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ـ باريس
mohaklouf@yahoo.fr