المتتبع للحملات البغيضة التي تشنها جماعات دينية متطرفة في مختلف أنحاء أوروبا والولايات المتحدة، في ذكرى أحداث الحادي عشر من سبتمبر، سيتوقف عند الأبعاد التي حملت هؤلاء على معاداة الإسلام والمسلمين، لدرجة أن يقدم بعضهم على التلاعب بالمصحف الشريف من خلال التلويح بحرقه وتمزيقه.

ناهيك عن الدعوات التي غزت عقول بعض المتطرفين من هذه الجماعات، لعزل المسلمين في المجتمعات الغربية من خلال الإساءة لمعتقدهم ومعاملتهم بعنصرية.

ولعل هذه الأفعال التي تدينها الإنسانية عامة، هي التي حرّكت جموع العقلاء للتصدي لهذه الهجمات الأشد فتكا من هجمات الحادي عشر من سبتمبر نفسها، لأنها تعمل على تأليب الناس بعضهم على بعض، وتوظيف مزيد من الفرقة في المجتمع الواحد بناء على معطيات عنصرية، كاللون أو العرق أو المعتقد.

ولكن بإطلالة بسيطة على تاريخ أميركا وأوروبا سنعرف مدى قتامة هذا التاريخ، خاصة في ما يتعلق بسلسلة الممارسات العنصرية ضد السود الذين عاشوا عبيدا في هذه المجتمعات، ونالهم الكثير من سوء المعاملة، بل كانت الكلاب أوفر حظا منهم، فأسود البشرة كان مدانا ومطاردا ومعذبا.

وفشل في كسب معركته حتى مع ثوراته التي قادها متنورون كبار مثل مارتن لوثر كينغ، ومالكوم اكس، وجيسي جاكسون، وغيرهم ممن انضم إلى ركب الدفاع عن هؤلاء المظلومين وطالبوا بالمساواة في الحقوق مع البيض.

ورغم أن الرئيس الحالي لأميركا من أصول زنجية إفريقية، إلا أن أوباما نفسه اعترف عشية انتخابه بتصاعد وتيرة العنصرية في بلاده منذ فوزه بالانتخابات الرئاسية.

وفي الواقع لم يشكل فوز أوباما بهذا المنصب فارقا عمليا، فتغيير النظرة الدونية للسود في المجتمع الأميركي لا يزال يمثل تحديا بالنسبة للكثيرين، ولا يزال العمال السود يعانون من تدني الأجور، ولا تزال ممارسات الفصل العنصري تقام بينهم وبين نظرائهم من المواطنين البيض، ولدينا نموذج في ما حدث في مدينة نيو أورليانز التي تقطنها غالبية من المواطنين الأميركان السود.

والتي اكتسحها إعصار كاترينا قبل خمس سنوات ودمرها عن بكرة أبيها، ولم تهب إدارة بوش لإنقاذها، فقد عُزي هذا التلكؤ إلى أن الإدارة الأميركية غير مبالية بمعاناة السود في أميركا، مع علمها بقدوم هذه الكارثة منذ فترة ليست قليلة، ورغم ذلك لم تتخذ أية تدابير وقائية، بل تركت السكان يموتون غرقا، وكأنها إبادة مفتعلة تعيد إلى الأذهان إبادة الهنود الحمر سكان أميركا الأصليين.

فالعنصرية في العقلية الأميركية، ناهيك عن العقلية الأوروبية، هي إحدى سماتها المميزة. ورغم ادعائها بالدفاع عن حقوق الإنسان وتبني مبادئ الحرية، فقد فشلت في المحافظة على ترجمة هذه الشعارات عمليا.

ولعل ما ينال المسلمين اليوم في هذه الدول من ملاحقة ومكائد ومعاملة سيئة، هو جزء من مخطط صليبي يخشى من انتشار سماحة الإسلام، فما بالهم وقد وجدوا ذريعة ومدخلا لمحاربته متذرعين بالإرهاب والفوبيا ضد الإسلام.

ورغم حروبهم المكشوفة والمستترة على الإسلام، إلا أن الاهتمام بالتعرف على الدين الإسلامي ومبادئه يزداد يوما بعد يوم في أميركا وأوروبا، بل إن أعداد المسلمين في ازدياد نتيجة الاحتقان العنصري، الذي كلما زاد كلما لمس قلوب بعض المتعطشين لروحانية دينية في مجتمعات تمجد المادية.

فقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الإسلام يعد أسرع الديانات انتشارا في الولايات المتحدة، ويبلغ عدد المسلمين في أميركا ستة ملايين مسلم، وهذا ما أكده أحد الخبراء الأميركيين بقوله «إن عدد الذين يعتنقون الإسلام سنويا يقدر بخمسة وعشرين ألفا»، كما جاء في تصريح لأحد رجال الدين المسيحي «إن عدد المسلمين قد تضاعف أربع مرات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر».

لذا لم يعد سرا أن تقوم قيامة المتطرفين، للهجوم على الإسلام والمسلمين باستغلال المناسبات للتعبير عن حنقهم، وزاد هذا الحنق بما اعتبروه دعما سياسيا من قبل إدارة أوباما لمنح المسلمين موقع قدم لإقامة صرح إسلامي في قلب الحدث الأكثر تأثيرا في تاريخ الولايات المتحدة، وكأن الأرض قد تزلزلت تحت أقدامهم!

ورغم ذلك فإن الكاتب سليمان عبد العظيم، يؤكد على أن هذا لن ينفي عن الأميركيين تهمة التمييز ضد المسلمين، سواء في فرص العمل والأجور، أو عدم قبول توظيف المسلمين، والفصل غير المبرر من العمل، والتهديد بالقتل ضد النساء والرجال على السواء، والاستهزاء بالحجاب وبالنساء المسلمات، وكتابة الألفاظ النابية على حوائط المساجد، وإطلاق النكات الساخرة على المسلمين، وكافة أشكال الممارسات العنصرية التي يمارسها الأميركيون اليوم ضد المسلمين في كافة أنحاء أميركا.

ونفهم من هذه الممارسات أن الحملات ضد الإسلام والمسلمين ستستمر وربما تتأجج مستقبلا، فاستغلال هذه المواقف يلامس هوى البعض، وخاصة المهمشين داخل هذه المجتمعات الذين يجدون في مسرحة الحادي عشر من سبتمبر فرصة للنيل من الإسلام وللظهور إعلاميا.

ولا يملك المسلمون اليوم أمام هذه الهجمات الشرسة على الإسلام وعلى القرآن، إلا الدعاء على من تسول له نفسه حرقه أو العبث به، وهذا أضعف الإيمان في هذا الزمن الذي كلما علا صوت الحق فيه، تقزّمت الهامات واستنكرت الحكومات وشجبت في قلبها المرات تلو المرات، فهل تستطيع الدول الإسلامية أن تناطح الجبل، وهي التي أصبحت لا تقوى على المجاهرة بغضبها لنصرة الإسلام وكتابه ورسوله؟

وصدق رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام حين قال: (إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا)، فهل بدأت غربته؟

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com