في ظل الإيقاع السريع والمتلاحق لسير حياتنا اليومية، يستحيل على الفرد أن يحصل على معلومة أو يكون رأيا تجاه مختلف القضايا، دون اللجوء إلى وسيلة إعلامية. من هنا قامت وسائل الإعلام بدور الناقل والوسيط.

ما بين المجتمع وبين طوفان الوقائع الجارية من حوله، مما زاد تعلق الأفراد بها يوما بعد يوم، حيث يصعب أن يعيش فرد يوما دون أن يطلع على وسيلة أو أكثر من هذه الوسائل، أو يخلو بيت يوما ما من إحداها.

والإشكالية هنا أنه في ظل هذا الارتباط الذي أصبح كالزواج الكاثوليكي، تقوم وسائل الإعلام في بعض الأحايين بممارسات غير مسؤولة، مستغلة سقف حرية يرتفع يوما بعد يوم، مما يجعل الكثيرين من الغيورين على أمتهم يطرحون تساؤلات مشروعة، بعد هذا الطوفان من القنوات الفضائية والصحف التي تجتاح عالمنا العربي.

فهل هذه الحالة التي أصبحت عليها وسائل إعلامنا العربية، أفادت بحق مجتمعاتنا وساهمت كما كان مأمولا منها في القضاء على معوقات التنمية، أم أنها أصبحت دون وعي أداة من أدوات تخريب المجتمع وتدمير قيمه وأخلاقه؟

هل تساعد وسائل الإعلام في عالمنا العربي في إدارة الأزمات التي تواجهه وتعين مجتمعاتنا على الخروج منها، أم أن العديد من هذه الوسائل أصبح يتفنن في صناعة الأزمات والعيش عليها وتصديرها واللعب بعقول ومشاعر البسطاء في الشارع العربي؟

هل ساعد الإعلام العربي على خلق الدافعية والرغبة في الإنجاز بين شبابنا من خلال برامج جادة توضح حجم التحديات التي تواجهنا في عالم لم يعد للمتواكلين فيه مكان، أم أنه أغرقنا ببرامج مسابقات تثير السخرية ولا تحتوي على معلومة ولا ترتقي بفكر؟ هل نجحت هذه الوسائل في جمع الأمة حول أهداف مشتركة أو قضية كبرى لتحقيق التكامل بين أبناء النسيج الواحد، أم أنها بخطابها الذي توقف عند المصالح القُطرية كانت عاملا من عوامل تقطيع الأواصر وتمزيق الصف؟

هل ساعدت هذه الوسائل في ربط أبناء الأمة العربية بتراثهم وثقافتهم وتعزيز هويتهم، أم أنها كانت أداة من أدوات التغريب والتغييب؟ هل ساعد هذا الكم الهائل من وسائل الإعلام العربية في تقديم مواهب حقيقية في الأدب والفكر والغناء والموسيقى، أم أنها فرضت علينا نماذج غربية ولاحقتنا بهم وما يلقونه من أفواههم كأنها تعاقبنا على ذنب لم نقترفه؟

هل ساعدت وسائل الإعلام العربية في إمداد الجمهور بالحقائق الكاملة حول مختلف القضايا والأحداث الراهنة وإتاحة الفرصة أمام مختلف الآراء للتعبير عن رأيها، أم أنها تنقل ما تحدده وكالات الأنباء الكبرى دون أن تكلف نفسها عناء تدقيق المصطلح مكتفية بلعب دور الوكيل المحلي؟

أليس من المخزي ألا تكون هناك قناة فضائية واحدة من بين ما يقرب من سبعمائة قناة، تعنى بالقضاء على الأمية التي وصلت نسبتها في عالمنا العربي نحو 30%، ناهيك عن الأمية الثقافية والتكنولوجية؟ هل استطاعت وسائل إعلامنا العربي مخاطبة الرأي العام العالمي باللغة التي يفهمها، أم اكتفت بالصراخ خلال ساعات الليل وإحصاء أعداد القتلى بالنهار؟

ثم كم عدد القنوات العربية التي تبث برامجها بلغات أخرى، وهل استطعنا من خلالها تصدير خطاب يوضح عدالة قضايانا العربية للآخر أم اكتفينا بمخاطبة بعضنا البعض؟

هل كان الإعلام العربي بحاجة إلى إنفاق ما يقرب من 365 مليون دولار، لإنتاج مسلسلات تذاع خلال شهر رمضان يدور أغلبها حول قضايا الجمع بين الأزواج والمخدرات وتقدم وصلات في الشتائم بألفاظ تضاف إلى قاموسها؟ وفي ظل هذا الكم الهائل من قنوات الأغاني واليانصيب وقراءة الطالع، ألا توجد قناة واحدة جاذبة معنية بتبسيط العلوم والبحث العلمي؟!

الحق أن هذه الأسئلة دارت في خاطري وأنا أقلب صفحات بعض الإصدارات العربية وأتجول بين فضائياتها الكثيرة لكنها غثاء كغثاء السيل! مما جعلني أتساءل هل هناك رؤية واضحة لدى القائمين على معظم وسائل الإعلام العربية حول الدور المنوط بها، غير جذب أكبر عدد من المشاهدين وتحقيق أعلى عائد من الإعلان؟ لذا تجدهم يكتفون في كثير من الأحيان بنقل نماذج غربية وزراعتها في إعلامنا..

علما بأن ما كان صالحا للتطبيق في الغرب ليس من الضروري أن يصلح في عالمنا العربي، لاختلاف البيئة الثقافية والاجتماعية والواقع السياسي وكذلك سيكولوجية المتلقي ذاته..

ولست في ذلك مبالغا أو متجنيا، فمن يبحث في بدايات نشأة العديد من الشبكات التلفزيونية العربية، يجد أن أحد أهم الأسباب هو إعجاب مؤسسيها بنماذج غربية من البرامج الترفيهية جاؤوا بها كما هي ليطبقوها في البيئة العربية.

ولكي لا تفوتني الموضوعية، فإن بعض هذه القنوات استطاع أن يلقي بحجر في البحيرة الراكدة، وأحدث حراكا فكريا واجتماعيا، لكن المحصلة ما زالت هزيلة، مقارنة بعدد القنوات وحجم الإنفاق الذي كان يمكن تعظيم العائد منه إذا عرفنا من نحن وماذا نريد..

كان حتما أن يطرح هذا الواقع الذي يعيشه عالمنا العربي، مفهوما جديدا لطبيعة الدور الذي يجب أن تقوم به وسائل الإعلام العربية، إلى جانب الترفيه والتسلية باعتبارها أيضا وظائف مهمة نحتاج لها جميعا.

مفهوم يوفق بين حق وسائل الإعلام في أن تقوم بدورها في نقل الثقافة والفنون، وحق المجتمع في الحفاظ على هويته وذاتيته الثقافية.

كذلك حق وسائل الإعلام في كشف جوانب الخلل وتسليط الضوء على الفساد والفاسدين، مع حق الأفراد في حماية خصوصياتهم والحفاظ على سمعتهم، مفهوم يجمع بين حق وسائل الإعلام في التحرر من القيود المعيقة لحركتها، وحق المجتمع في أن يكون الضمير المهني رقيبا على العاملين في هذه الوسائل.

إن الأسس الحاكمة والمحددة لقواعد الممارسة الإعلامية، لا بد أن تضع ظروف المجتمع الذي تعمل فيه وثقافته وتقاليده ومبادئه، في نظر الاعتبار. هنا تقوم وسائل الإعلام بدورها تجاه مجتمعاتها ولصالحها، وتكون أداة من أدوات نمائها ورقيها، بل إن التزامها في أدائها بهذه المنظومة القيمية، يجسر العلاقة بينها وبين الجمهور ويحقق كذلك الربح المادي الذي تبحث عنه، في آن معا.

من هنا فإنني أجدد الدعوة إلى ميثاق شرف لوسائل الإعلام العربية، يراعي خصوصية المجتمع الذي تعمل فيه، إضافة إلى موقف إيجابي من الإعلاميين، يستهدف تركيز الاهتمام على القضايا المرتبطة بترقية المجتمع وتنميته، لينتج لنا ممارسة إعلامية تستمد أصولها من الفكر الأخلاقي قبل القيد القانوني.

عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com