علاقات التعاون الروسي ـ الإيراني في مجال الطاقة النووية علاقات متشعبة وتثير جدلا كبيرا نظرا لعدم معرفة الآخرين لأبعادها والكثير من أسرارها، فقد نشأت هذه العلاقات في ظروف خاصة للغاية في سنوات التسعينات من القرن الماضي، فقد كان البلدان في حاجة ملحة لدى كل منهما للآخر.
فقد كانت إيران تعاني بعد الثورة الإسلامية من مقاطعة غربية عامة بضغوط من واشنطن، وأدت هذه المقاطعة إلى وقف العمل في البرنامج النووي الإيراني الذي كان قد بدأ في عهد الشاه تحت إسراف شركات غربية ألمانية وأميركية وفرنسية، وكانت شركة ألمانية تتولى بناء محطة بوشهر، ثم توقفت عن العمل وانسحبت تحت ضغوط أميركية، ودخلت روسيا على الخط في عام 1993 لتعرض خدماتها على نظام الحكم الإسلامي في طهران.
ورغم أن الإمام الخميني قائد الثورة الإيرانية الإسلامية كان يصف روسيا بالشيطان الأصغر والولايات المتحدة بالشيطان الأكبر، إلا أنه رحب بالتعاون مع روسيا، وهذا التعاون، في رأي البعض، لم يأت من منطلق الحاجة الملحة لروسيا لاستكمال البرنامج النووي بقدر ما جاء استجابة لحاجة إيران لكسر الحصار المفروض عليها عالميا بقيادة واشنطن.
حيث كانت إيران بحاجة لعلاقات مع دول كبيرة تدعم مواقفها على الساحة الدولية، ووجدت في روسيا هذا الهدف، في نفس الوقت كانت روسيا في سنوات التسعينات في حاجة للعمل في البرنامج النووي الإيراني من أجل إنقاذ الصناعة النووية الروسية التي كانت تعاني آنذاك من أزمات حادة بسبب نقص التمويل المالي بالدرجة التي كانت تهدد هذه الصناعة، وبالفعل قدمت إيران دعما كبيرا أنعش الصناعة النووية الروسية، ولهذا يقال إنه بقدر ما إيران مدينة بالفضل لروسيا، فإن روسيا أيضا مدينة لإيران بالفضل في إنقاذ الصناعة النووية النووية الروسية من الانهيار.
من هذا المنطلق يرى الكثيرون أن العلاقات الروسية؟ الإيرانية متينة وقوية بالقدر الذي يصعب على واشنطن أو غيرها اختراقها أو إضعافها، وأن كل ما يبدو على الساحة أحيانا من غيوم وأزمات في هذه العلاقة إنما هو مصطنع ومتفق عليه بين موسكو وطهران، وأن روسيا مهما وافقت على عقوبات ومهما صرحت بتصريحات انتقادية لإيران فإنها ملتزمة تجاهها بتنفيذ كافة الالتزامات المترتبة على الاتفاقات المنعقدة بينهما على مدى الأعوام الماضية، وأن موسكو حتى الآن لم تخل بأي التزام، ويقول البعض إن تأجيل تدشين محطة بوشهر أكثر من مرة.
والذي تم منذ أيام، لم يكن بسبب توتر العلاقات بين البلدين، بل كان لأسباب فنية في تشغيل المحطة نفسها، ويرى البعض أكثر من ذلك أن تدشين المحطة لم يؤجل من قبل بل تم في الموعد المحدد له تماما بين الطرفين، وأن ما قيل عن تأجيله من قبل كان مجرد شائعات مقصودة للتشويش ولامتصاص غضب واشنطن، ومما يدعم هذه الآراء أن العالم كله فوجئ بتدشين محطة بوشهر وبوصول الوقود النووي الروسي إليها بدون أية مقدمات أو تمهيد، وأن طهران لم تتحدث بعد التدشين حول الاتفاق الثلاثي بين إيران وتركيا والبرازيل حول إمداد الأولى بالوقود النووي.
وكأن هذا الاتفاق لم يكن له وجود من قبل،لأنه بحكم ما حدث يصبح هذا الاتفاق بدون أية جدوى، وحتى تركيا والبرازيل لم يعلقان عليه بعد التدشين، وكأنهما كانا على علم مسبق بأنه اتفاق صوري بينهما بهدف تهدئة للحملة الأميركية الإسرائيلية الشرسة على إيران.
وما يدعم هذه الآراء كلها ما أعلن منذ أيام من أن موسكو وطهران يعتزمان إنشاء مؤسسةٍ مشتركة لإدارة محطة بوشهر الكهرذرية، وأنه تجري الآن مفاوضات تتعلق بمشاركة الروس في استثمار المحطة الإيرانية وبيع الطاقة الكهربائية التي تنتجها، ولو حدث ذلك بالفعل فإنه، سيؤكد بما لا يدعو لأي شك، أن العلاقات الروسية ألإيرانية أقوى بكثير من أي محاولات لاختراقها أو المساومة عليها.
وأن البلدين حليفان وبينهما علاقات إستراتيجية قوية، وأن ما يبدو أحيانا على الساحة من تراجع في هذه العلاقات بسبب تصريحات للمسؤولين في البلدين ضد كل منهما الآخر، إنما هو تمثيليات متفق عليه بينهما، وربما يدفع هذا البعض إلى إثارة الشكوك والشائعات حول مستوى العلاقات العسكرية بين البلدين.
خبيرة الطاقة الروسية