ترى إلى متى ستستمر لعبة الشد والجذب بين الشقيقتين الجارتين قطر والبحرين في المياه الإقليمية لكل منهما؟ فالدولتان أولا جارتان جغرافيا شاءتا أم أبتا وذلك منذ أن تشكلت قارات الأرض، وثانيا تربطهما علاقات تاريخية وثقافية واجتماعية واقتصادية تعود إلى مئات السنين الماضية.
صحيح أن النزاع فيما بينهما هو أيضا قديم جدا ويعود إلى نهايات القرن الثامن عشر مع بدايات تشكلهما، إلا أن التفاهم الأخوي يظل الملجأ الوحيد لوضع حد لأي تدهور ممكن في العلاقات أو تطور غير مرغوب فيه في النزاع.
ومن الملاحظ أن معظم النزاعات التي نشأت أو قد تنشأ بين دول الخليج تعود أسبابها إلى خلاف على الحدود قد يصل أحيانا إلى استخدام المسطرة المدرسية الدقيقة في حساب طولها وعرضها.
وأن هذه الخلافات المفبركة تعتبر واحدة من بين العديد من مخلفات الإرث الاستعماري البريطاني للمنطقة في الستينيات حتى بداية السبعينيات من القرن الماضي والذي قام على مبدأ (فرق تسد) على العكس تماما من تعاليم الإسلام السمح الذي كان يدعو إلى الوحدة والاتحاد والتعاون والتآزر (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) حتى في زمن الفتوحات الإسلامية الأولى، حين كانت التعاليم تصدر من الخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم) إلى قادة جيوشهم باحترام الشعوب التي يفتحها المسلمون، في الوقت الذي كان فيه الغرب يعيش حالة من الهستيريا والجهل والتخلف والهمجية والفوضى وعدم احترام الأجناس الأخرى خاصة في أوقات الحروب.
اليوم نحن ندفع ثمن تنفيذ المخططات الاستعمارية المتواصلة باعتبار أن كل ما يأتي من الغرب حري باتباعه، ونرفض العمل بتعاليم الإسلام باعتقاد أنها تعود إلى زمن غابر. ولهذا السبب نقع في مثل ما يحدث بيننا، بل حتى ما بين العديد من الدول العربية - فيما يتعلق بترسيم الحدود الجغرافية لكل منها.
في عام 1981 وفي شهر مايو منه، أنشئ مجلس التعاون الخليجي. واعتقدنا بأن مسائل الخلافات الحدودية بين دول المنطقة ستزول فورا، خاصة وأن المنطقة بدأت في ذلك الوقت تشهد أحداثا مقلقة تحولت إلى صدام دموي بين عملاقين كبيرين: إيران والعراق.
وشكل قيام مجلس التعاون في تلك اللحظة ترسانة نفسية لأهالي المنطقة الذين عاشوا على النية الطيبة والأمل بمستقبل يحلم بثرائه بعد أن تفجرت الأرض من تحت أقدامهم نفطا وأسقطت السماء عليهم ذهبا. وتنفسوا الصعداء بعد أن حطت الحرب أوزارها.
غير أن الآمال باستقرار المنطقة لم تستمر طويلا بعد نهاية حرب الخليج الأولى التي كان سبب اندلاعها ليس الخلاف على كيفية تحرير القدس، بل خلاف على الحدود حيث كان الذهب الأصفر يجري من تحت هذه الحدود.
وما انتهت الأولى حتى انفجرت حرب الخليج الثانية، فغزت العراق العربية المسلمة الكويت الجارة العربية المسلمة، وشرد أهلها في شتى بقاع الأرض، واحترقت آبار نفط دولة الكويت حتى امتدت أدخنتها السوداء من ميناء الأحمدي إلى المحيط الهندي وتحول بحر الخليج الذي عاش عليه الأجداد إلى بحيرة مغلقة ملوثة ملغمة غير صالحة للحياة تعيث فيها أساطيل الغرب فسادا. وكان الخلاف هنا أيضا خلافاً على شبر من الأرض بحجم فلينة تطفو على بحيرة من النفط. ودفع الكويت ثمنا باهظا من المال والأرواح، ودفع العراق أكثر من ثمن باهظ:
تاريخه ومستقبله ودوره القومي القيادي. ومنذ ذلك التاريخ لم تقم للعراق قائمة. ولو حكم الطرفان وقتها عقليهما ومصلحة شعبيهما وتنازل أحدهما من جهته عن شيء يسير والآخر من جهته عن شيء بسيط وتقاسما الثروة واستفادا منها لبناء المشاريع وشق الطرق وإقامة المدارس والمستشفيات والمصانع لأصبحتا اليوم يضرب بهما المثل في حل الخلافات العربية العربية بشكل حضاري ونافع. غير أن ما حدث كان غير ذلك.
وبات أهالي المنطقة من بعد تلك التجربة المرة وأيديهم على قلوبهم أن لا يريهم الله مكروها ثالثا مماثلا، ونزاعا على الحدود مشابها. ومع ذلك، ورغم أن حلبة الصراع الدامية في الحربين الأولى والثانية كانتا قاب قوسين أو أدنى من أبواب بيوتهم وكادت أن تصيبهم بنيرانها، إلا أنهم لم يتعلموا من غدر التاريخ.
وما زلنا نقع في نفس المطب وبنفس السرعة الزائدة. وما زالت الحدود تشكل الهم الأكبر بالنسبة لنا بحيث أصبح بئر النفط العربي أغلى بكثير من بئر الدم العربي. (رحمك الله يا شيخ زايد).
نحن كلنا ثقة بأنفسنا وبحكامنا وولاة أمورنا، وشعوب المنطقة كلها تعي مدى خطورة الأوضاع الراهنة المحيطة بها من كل حدب وصوب حسدا على ما وهبها الله من نعمة راحة البال والثراء والاستقرار، ولم يفهموا بعد أن شرارة صغيرة تكفي لإشعال آلاف الآبار من النفط الخام في أقل من ثانية من الزمن، وإذا فرت تلك الشرارة من مكمنها فلن نلوم إلا أنفسنا.
بكل تأكيد، فإن أهالي المنطقة وخصوصا في دول مجلس التعاون، هم وولاة أمورهم مؤمنون بأن الحوار والنقاش وتنازل الأخ لأخيه هو السبيل الوحيد لتجنيب شعوبهم ما حل بغيرهم.
وأن الخلاف على خط وهمي رسمه لنا المستعمر قبل خمسة عقود مرة على اليابسة ومرة في البحر لن يفصل المواطن الإماراتي عن هموم المواطن الكويتي، ولن يمنع المواطن البحريني من دخول المياه الإقليمية لدولة قطر أو عمان أو السعودية أو الكويت، كيف لا ونحن نرى بأم أعيننا المواطن الأوروبي يجول ويصول ويدخل في حدود 27 دولة أوروبية ؟ لا يفهم لغتها ولا ينتمي إلى دينها ولا إلى عاداتها ولا إلى تاريخها - ويخرج منها حرا كما جاء إليها دون أن يسأله أحد من أين وكيف ولماذا جاء ولا إلى أين يذهب؟
ترى، كم من الوقت يلزمنا حتى نعود إلى ما كنا عليه، على الأقل قبيل مجيء الاستعمار؟
جامعة الإمارات