أعلن الرئيس الأميركي ووزارة دفاعه ونائبه وكبار المسؤولين في إدارته أن الجيش الأميركي بدأ مرحلة (الفجر الجديد) برحيله من العراق، بعد سبع سنوات من احتلالها، وهو ما يسميه الأميركيون (تحريرها)، وأبقى خمسين ألف عسكري ليقدموا دعماً إسنادياً ويقوموا بتدريب الجيش العراقي.

وليست لهم مهمات عسكرية هجومية مباشرة ولا مهمات أمنية، إلا إذا اقتضى الأمر الدفاع عن النفس أو لحالة اضطرارية تطلبها الحكومة العراقية، أو لحالات أخرى قد تكون وردت في الاتفاقات الأميركية والعراقية، السرية أو العلنية.

سمت بعض التيارات والأحزاب السياسية العراقية، وخاصة المعارضة منها، هذا الانسحاب بأنه إعادة انتشار، وتساءل بعضها وماذا عن القواعد العسكرية التي بناها الأميركان في العراق، والتي وصل عددها إلى سبع عشرة قاعدة (تقول المقاومة المسلحة العراقية إن عددها بلغ 94 قاعدة وموقعاً)، فهل سيتسلم الجيش العراقي أو الحكومة العراقية هذه القواعد والمواقع، أم أنها ستبقى بيد الجيش الأميركي، وبالتالي فإن هذا الجيش، وتحت شعار التدريب أو الإسناد سيبقى في العراق مقيماً لعشرات السنين المقبلة.

كما هو الحال في ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها، التي أقيمت فيها قواعد عسكرية أميركية (مؤقتة) بعد الحرب العالمية الثانية، ومازالت ملأى بالعسكر الأميركيين منذ أكثر من ستين عاماً، مع أن هذه البلدان جميعها (تحررت) حسب التسمية الأميركية.

ولم يعد في هذه الدول لا نازية ولا ديكتاتورية ولا تهددها مخاطر غزو خارجي، ومن يعد للمواثيق والبيانات والاتفاقات التي وقعت وأعلنت في نهاية الحرب العالمية الثانية بالنسبة لألمانيا واليابان.

وفي نهاية الحرب الكورية بالنسبة لكوريا الجنوبية، يلاحظ ما يشبه التطابق بينها وبين مثيلاتها الحالية المتعلقة بالعراق، مع أخذ الزمان والمكان والظروف بعين الاعتبار، وفي ضوء ذلك ترى التيارات والأحزاب العراقية وبعض السياسيين أن المسألة ليست انسحاباً وإنما بداية تنفيذ خطة بعيدة الأمد، خلاصتها أن العراق لن يخلو خلال العقود المقبلة من تواجد قوى عسكرية أميركية، سيكون لها الدور الأساسي في التأثير على واقع العراق وتطوره وسياساته.

وخاصة مع وجود خطر محاولة انتشار النفوذ الإيراني في العراق وفي الخليج والمنطقة أكثر فأكثر، ويرون أن هذه (الهيجة) الإعلامية إنما هي رسالة تهدف إلى ذر الرماد في العيون عن المخطط الأميركي المقبل من جهة، وموجهة للناخب الأميركي قبيل الانتخابات النصفية من جهة أخرى، خلاصتها أن الرئيس بوش ورط جيوشه في العراق ولم يحقق هدفاً، بينما الرئيس أوباما يخرجها من العراق مع حفظ ماء الوجه، ولذلك سميت عملية الانسحاب بعملية (الفجر الجديد).

قال الرئيس الأميركي إن قواته انسحبت بعد أن حققت تحرير العراق، فهل حررته هذه القوات فعلاً، وممن حررته، وما هو الثمن الذي دفعه العراقيون مقابل تحريرهم المزعوم؟.

في البدء لم يدعُ أحد الإدارة الأميركية ولا قواتها العسكرية لتحرير العراق من نظامه السياسي الذي كان قائماً، وليس من واجب هذه الإدارة وقواتها ولا من حقها أن تحرر أي بلد من حكامه، سواء كانوا ظالمين أم عادلين، ديمقراطيين أم ديكتاتوريين، فهذه مسألة اتفقت شعوب الأرض ودولها وشرعيتها على أنها أمور داخلية تخص كل شعب لوحده، ومسؤوليته وحده، وليست من مسؤولية أحد خارج الحدود، ومع ذلك ولنفترض أن الأميركيين حرروا العراق، فماذا دفع العراقيون مقابل هذا التحرير؟

من حيث الديمقراطية والديكتاتورية والتحرر من النظام الحاكم، يعيش العراقيون الآن تحت نظام أشد وأقسى من النظام السابق، لكنه مغلف بشعارات الديمقراطية والانتخابات ووجود الأحزاب والصحافة وحرية التصريحات والنقد وغير ذلك، أما السلطة الحقيقية فهي أكثر شمولية وتفرداً مما كان عليه الحال قبل الغزو، فلا تبادل للسلطة مهما كانت نتيجة الانتخابات، والانتخابات نفسها تتم حسب تقاليد وطقوس ومرجعيات أسوأ من تقاليد وطقوس ومرجعيات الديكتاتورية.

ومعظم مرجعياتها طائفية أو عشائرية أو إقليمية، وصلاحيات المجلس التشريعي الحالية هي أقل بما لا يقاس من صلاحيات المجلس التشريعي أيام الحكم السابق للغزو، ورئيس الوزراء هو الآمر الناهي بأكثر مما كان صدام يأمر وينهي.

ورقابة الصحافة ووسائل الإعلام ونقدها لا تجد من يقابلها أو يهتم بها سوى أنها (فشة خلق)، وبالتالي فالنظام الديمقراطي الذي هو في الأساس مؤسسات متكاملة وأنظمة وقوانين متناسقة تتناغم جميعها لتحقق الديمقراطية لا وجود لها الآن في العراق، وعليه فإن (تحرير) العراق، نقل العراقيين من حال إلى حال أسوا منها، (من قدر الله إلى قدر الله)، وما القول بالتحرير سوى (لغو) يريد الرئيس الأميركي أن يقنع ناخبيه من خلاله بمأثرة سحب جنوده.

مقابل هذا (التحرير) قدم العراقيون مليون ضحية قتلت بالسلاح الأميركي أو بسلاح قوات الأمن والجيش العراقي أو بالسلاح الطائفي، وتم حل جيشهم وقواتهم الأمنية، واستبدلوا بها قوات حسب المحاصصة الطائفية، متناقضة في ما بينها، غير مؤهلة لعملها، وكل منها يعادي شريحة من شعبه، هذا فضلاً عن تدمير البنية التحتية للعراق بالكامل (الماء، الكهرباء، الهاتف، الاتصالات، الطرقات، الأبنية الحكومية) ونهب النفط (يجري استجراره من دون عدادات ولا حسابات) وتفشي الرشوة والفساد، وتوازع التبعية للخارج، والتخلي عن الدور العربي والإقليمي.

لقد ترك الأميركيون بعد انسحابهم المزعوم، عشرات الألوف من المسلحين لدى شركات الأمن الأميركية التي تقوم بمهمات قتالية وتملك الطيارات والدبابات والمخابرات، كما تركوا سفارة يعمل فيها ثلاثة آلاف موظف وهي أكبر سفارة أميركية في العالم، هذا إضافة إلى تركهم العراق معرضاً للتقسيم ثم الموت، ومع ذلك يدّعون تحريره، بئس التحرير، إنه اعتزاز بالإثم.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org