المشهد الاحتفالي الذي أقامه الرئيس الأميركي باراك أوباما، يومي الأول والثاني من الشهر الجاري في واشنطن وإن بدا جدياً، لم يكن الأول من نوعه الذي يقيمه رئيس أميركي تحت يافطة البحث عن السلام المفقود في الشرق الأوسط.

ليس وحده الرئيس أوباما من حاول استكمال ما بدأه الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر، الذي أشرف وأدار عملية سلام بين مصر وإسرائيل، أفضت إلى توقيع ما عرف باتفاقية كامب ديفيد.

ومنذ ذلك الوقت قبل ثلاثين عاماً، والكل في هذا العالم يبحث عن سلام يؤدي إلى إقفال ملف الصراع الفلسطيني والعربي- الإسرائيلي، والأرجح أن تتواصل عمليات البحث لسنوات أخرى وسنوات.

عام 1991، انعقد في مدريد مؤتمر للسلام، بدعوة أميركية، وإشراف شاركت فيه نظرياً روسيا، وكان الرئيس جورج بوش الأب يعتقد أن ظروف ما بعد حرب الخليج الثانية التي أدت إلى تحرير الكويت، تلك الظروف تقدم فرصة أكيدة لتحقيق السلام الشامل. بعد عامين على ذلك المؤتمر، تخللتها مفاوضات ماراثونية، أقام الرئيس بيل كلينتون في حديقة البيت الأبيض احتفالاً بهيجاً، عرمرمياً، لكي يشهد العالم على توقيع اتفاقية أوسلو، التي مهدت لقيام سلطة فلسطينية في مايو 1994.

خضع العالم كله إلا الإسرائيليين لعملية غسيل دماغ، أو عملية زراعة الوهم، إذ كان على اتفاقية أوسلو، أن تشكل الإطار الذي يفترض أن يفضي بعد مفاوضات تستمر لثلاث سنوات، إلى قيام دولة فلسطينية بعد خمس سنوات على إقامة السلطة أي في مايو 1999، ولم يكن اغتيال اسحق رابين على يد متطرف يهودي هو السبب الوحيد أو الأهم في عدم إقامة الدولة الفلسطينية العتيدة.

جاء كلينتون إلى قطاع غزة وإسرائيل عام 1996، وفي يوليو 2000، أدار هو ووزيرة خارجيته آنذاك السيدة مادلين أولبرايت مفاوضات ماراثونية أحيطت مجرياتها بالكتمان، بين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ورئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك ايهود باراك، الذي يشغل منصب وزير الدفاع في حكومة بنيامين نتنياهو الحالية.

على أن مفاوضات كامب ديفيد التي أدارها كلينتون وصرف في متابعتها الكثير من الجهد والوقت، فشلت وكان ذلك الفشل مقدمة لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الثانية في 28/9/2000، والتي أدت إلى تجدد الصراع بكل أشكاله، بما في ذلك الصراع التفاوضي، ومهدت الطريق لمسميات أخرى طغت على أوسلو، خصوصاً بعد أن رحل أبطال أوسلو عرفات ورابين، وكلاهما اغتيالاً وإن اختلفت الوسائل.

جورج بوش الابن جرب حظه هو الآخر، فعقد مؤتمراً دولياً في آنابوليس نوفمبر 2007، دعا إليه رؤساء وممثلين عن نحو خمسين دولة، وبعد أقل من شهر استكملته فرنسا، بعقد مؤتمر دولي اقتصادي أوسع تمثيلاً من سابقه، جرى خلاله تخصيص ميزانيات كبيرة لتمويل عملية السلام والسلطة الفلسطينية التي يفترض أن تتحول بعد حين إلى دولة.

في الواقع ليس لأي دولة سوى أميركا أن تجرب حظها، وتلعب دوراً ريادياً في تحريك عملية السلام، فلقد أبدت روسيا رغبتها وعزمها على استضافة مؤتمر دولي للسلام على غرار مؤتمر آنابوليس، ولمتابعة نتائجه، غير أن إسرائيل رفعت الفيتو في وجه الرغبة الروسية، التي تتحرك بين الحين والآخر بلا معنى أو طائل.

الآن جاء دور الرئيس أوباما الذي رفع شعارات التغيير، وترجم بعضها عملياً، وبعضها الآخر لفظياً، وعلى خلفية أفكاره وشعاراته التي تتميز ببعد ثقافي فكري، حصل على جائزة نوبل للسلام، التي لا نعتقد أنها ستلزمه بركوب مغامرة إذا تطلب تحقيق السلام مثل هذه المغامرة.

باراك أوباما كان الأشد وضوحاً ممن سبقه من الرؤساء الأميركيين، إذ أنه أدخل مفردات الصراع والسلام الشرق أوسطي، إلى دائرة الاستراتيجيات الأمنية والقومية، فإحلال السلام وتحقيق رؤية الدولتين هي مصلحة أمنية واستراتيجية أميركية حسب أوباما ورموز إدارته.

المستمع والمتابع الجيد لأمور السياسة، سيفهم أن تعييناً كهذا لمكانة الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، من المصالح الأميركية الاستراتيجية الأساسية، من شأنه أن يولد سياسات وقرارات، وسلوكيات عملية قوية لدرء المخاطر التي تتعرض لها المصالح الأميركية، أو من أجل تحقيق تلك المصالح والاستراتيجيات.

في الواقع فإن هذا الاستنتاج صحيح، ومتعارف عليه في العلوم والتجارب السياسية، وقد خاضت الولايات المتحدة حروباً ودفعت أثماناً باهظة كما يشهد العراق وأفغانستان والباكستان، لكن كل العلوم النظرية والتجريبية تتعطل عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، مما يعني أن على الواهمين أن يستبعدوا تماماً، بان ترتفع حرارة الموقف الأميركي إلى حد ممارسة ضغوط فاعلة وقوية على إسرائيل من أجل السلام، الذي يلبي تحقيق الاستراتيجيات والمصالح الأميركية.

في كلمتها الافتتاحية للمفاوضات الثنائية في واشنطن، الثاني من الشهر الجاري، أكدت وزيرة الخارجية الأميركية هذا الاستنتاج، «الولايات المتحدة لا تفرض السلام ولن تفرض حلولاً على الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي»، أي أن السلام ينبغي أن يتحقق بالمفاوضات فقط، ومن خلال التوصل إلى تسويات وحلول وسط مرضية للطرفين.

إذا كان الأمر كذلك، وفي ضوء الواقع المعين، والوقائع الجارية لطرفي المفاوضات، فإن ألف عام أخرى من المفاوضات، لن تؤدي إلى تحقيق السلام، فالطرف الفلسطيني يضع على الطاولة سقف حقوقه، وطلباته إزاء قضايا الوضع الدائم، فيما يضع الإسرائيلي على الطاولة أعلى شروطه وطلباته التي يسعى لأن يحصل عليها من الحقوق الفلسطينية الأساسية، كما يضع الإسرائيلي أيضاً ما هو أقل من الحد الأدنى من الثمن الذي عليه أن يدفعه.

الحلول الوسط تعني أن يهبط الطرف الفلسطيني عن مطالبه وبالتالي عن أجزاء هامة جداً من حقوقه الجوهرية، ليحصل الطرف الإسرائيلي على مكاسب يفرضها ميزان القوى، حيث لا تجد إسرائيل نفسها مضطرة لأن تدفع ثمن ذلك.

عند ترجمة ذلك، فإن أحداً لا يمكنه أن يدرك إلى أي قاع سحيق تريد إسرائيل من الطرف الفلسطيني أن يبلغه، بل ربما تفيض الطلبات الإسرائيلية لتتجاوز حدود قدرات وصلاحيات الفلسطينيين إلى الدول العربية، وهو أمر معروف حدوده الدنيا التطبيع، أما حدودها العليا، فلا سقوف لها.

هل بعد ذلك سيكون أمام الرئيس الفلسطيني محمود عباس سوى أن يحزم حقائبه ويرحل، طالما أنه متمسك بالثوابت الفلسطينية؟ من لا يصدق عليه أن ينتظر فلا بأس من الانتظار سنة أخرى، بعد انتظار دام نحو عشرين عاماً من المفاوضات.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com