سخر كارل روف رئيس موظفي البيت الأبيض خلال رئاسة بوش من خطاب الرئيس الأميركي أوباما الذي أعلن فيه عن سحب القوات المقاتلة من العراق، ووصفه بأنه خطاب «تعالي إلى البيت يا أميركا».

الأمر بالنسبة لـ «روف» إهانة لا مجاملة. وقد قام هو ومجموعة من المسؤولين السابقين في إدارة بوش بغمر موجات الأثير بطوفان من التعليقات، مطالبين بإسناد الفضل إلى بوش في «النجاح» الذي تحقق في العراق، وهاجم أوباما لقوله إنه آن الأوان ل«طي الصفحة» والتركيز على إعادة بناء أميركا.

ألن يتعلموا أبداً؟ «روف» يدين أوباما لإشارته إلى أن أميركا بدّدت تريليون دولار، دون أي أثر طيب في العراق. في الواقع، المبالغ التي أهدرت على هذه الحروب تجاوزت 3 تريليونات دولار، حسبما أوضح «جوزيف ستيغليتز» الخبير الاقتصادي الحائز جائزة نوبل.

«روف» ومن على شاكلته يصرّون على أن الولايات المتحدة يمكن أن تقوم بدور شرطي العالم وتحافظ على اقتصاد قوي.

وهو يذهب إلى القول إن الأموال التي تنفق في العراق هي استثمار أفضل من خطة أوباما للانتعاش، التي درأت الركود، وساعدت على توظيف ثلاثة ملايين شخص، وفق بيانات المكتب المستقل للميزانية بالكونغرس، وقدّمت دفعة أولى في مسيرتنا الضرورية للتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة.

الزعماء الجمهوريون سوف يعودون إلى سياسات بوش، وهي المزيد من خفض الضرائب، وإلغاء اللوائح التنظيمية، ومزيد من التخفيضات في الاستثمار المحلي والمزيد من الحروب في الخارج والإنفاق العسكري. بيد أن تلك السياسات نفسها هي التي أوقعت الاقتصاد الأميركي في الهاوية، وتركتنا في هوة عميقة جداً.

هناك أكثر من أربعة آلاف أميركي قتلوا في العراق، وأصيب 30 ألفاً، وعاد مئات الآلاف بجروح من جراء تضحيتهم. وتحول الملايين من العراقيين إلى لاجئين. وقتل أكثر من مئة ألف، ومازالت المذبحة مستمرة. وقد نجحنا في الإطاحة بديكتاتور وحشي، ولكننا أشعلنا حرباً أهلية متواصلة، وللمفارقة زادت السطوة والنفوذ لأطراف إقليمية بشكل دراماتيكي.

في الوقت نفسه، فقد خدعنا مجتمعنا الأميركي في الداخل. فأخيراً، تم إيقاف العديد من قطارات الركاب المتجهة إلى مدينة نيويورك عن العمل، بعد خفض طاقة محطة تحويل عمرها 80 عاماً. ويعد هذا نموذجاً للبنية التحتية المتداعية، في كل شيء بدءاً من شبكات الصرف الصحي إلى الجسور، والتي قدرت نقابة المهندسين المدنيين تكاليف إصلاحها بثلاثة تريليونات دولار.

إننا نرتعد من التقارير التي تشير إلى القنابل المنفجرة في العراق، وقتل المدنيين الأبرياء. ولكن هناك المزيد من العنف داخل أميركا، أكثر مما في العراق: 30 ألف أميركي يلقون حتفهم في أعمال عنف بالمسدسات كل عام، ويصاب أكثر من 100 ألف شخص.

لقد فقدنا وظيفة من كل ثلاث وظائف في مجال الصناعة على مدى العام الماضي.

وأصبحت مدننا في حالة يرثى لها. وفي ديترويت، والتي كانت يوماً ما نموذجاً استعراضياً لقدرة أميركا صناعياً، هناك 90 ألف قطعة أرض شاغرة، ولا يجد 150 ألف شخص عاطل عن العمل وظائف. معدلات الفقر تزداد وبالتبعية زيادة اليأس.

اقتصادنا في مأزق. في عهد بوش، كنا نقترض ملياري دولار يومياً، قدر كبير منها مستمد من المصرفين المركزيين في الصين واليابان، وذلك من أجل تغطية العجز التجاري الأميركي. في الربع الفائت، تراوح العجز التجاري ما بين 3% إلى 4% من النمو الاقتصادي.

وعلى امتداد الولايات المتحدة، يتم تسريح المدرسين، وتغلق المدارس، ويتم وقف برامج ما بعد الدراسة والبرامج التأهيلية. ولكن طلابنا لا يتلقون التعليم التي يحتاجونه من أجل تحقيق النجاح.

من أجل كسب «قلوب وعقول» الناس في العراق وأفغانستان، أنفقنا أكثر من 100 مليار دولار لبناء المدارس، وتدريب المعلمين والشرطة وتحديث الطرق والكباري وتوظيف الناس.

وفي الوقت نفسه، نقوم بخفض الأموال المخصصة لإعادة إعمار البلاد، ونستغني عن المعلمين والشرطيين، ونؤجل مشاريع البنية التحتية.

لقد اعتقد الجمهوريون المؤيدون لبوش أن أميركا يمكن أن تكون قوية خارجياً وداخلياً ومن قمتها إلى أسفلها، وذلك عن طريق إرسال قواتها واستعراض أسلحتها. في الواقع، القوة تأتي فقط من الداخل ومن القاع، ومن خلال القيام بالاستثمارات الحيوية لتحقيق اقتصاد تنافسي، ومن خلال إعادة بناء قاعدتنا الصناعية، ومن تعليم أطفالنا، ومن القوة المستمدة ليس من المدافع، بل من أفكارنا.

بالتأكيد هذا هو الدرس الذي يجب أن نتعلمه من السياسات المدمرة للعقد الماضي. ودرس لا يمكننا أن ننساه، في الوقت الذي نسعى للخروج بأنفسنا من الهوة التي سقطنا فيها.

«تعالي إلى البيت يا أميركا؟» هذه ليست إهانة؛ بل هو أمر حتمي.

مرشح سابق للرئاسة الأميركية