تشبه العلاقات الإنسانية في صعودها وهبوطها الترمومتر الذي يُستخدم لقياس درجة حرارة الجسم، لأنه لا يثبت على حال واحدة، فتتغير قراءته بحسب تغير الجسم الذي تُقاس درجة حرارته، كما تختلف درجة حرارة الجسم الواحد في المقياس نفسه من حال إلى حال، ومن وقت إلى وقت.

هذا ما يحدث للناس في وضعهم الطبيعي، أقصد الناس السويين الخالين من الأمراض النفسية والعصبية، إذ تختلف أحوالهم وتتفاوت درجات إقبالهم على بعضهم بين حين وآخر، ويُصابون بحالات مد وجزر عاطفي وتقلبات في الأمزجة والأهواء، لا يجد كثيرون منا تفسيراً لها في أحايين كثيرة.

قد يقول قائل إن الترمومتر المتقلب غير الثابت على درجة له أسبابه، فطالما أن الأجسام تختلف، وحالات الأجسام تختلف من صحة إلى مرض، ومن راحة إلى تعب، إلخ.. فمن الطبيعي أن تتغير قراءته تبعاً لذلك، فتغير الدرجة له أسبابه، أما الأمزجة حين تتقلب وتختلف أحوالها فهي في كثير من الأوقات والمواقف دون سبب، ولكني لا أعتقد أن هذا القول صحيح، فكل ما يحدث على السطح لا بد أن يكون له وجود في الداخل..

في العمق، ولكنه قد يحتاج إلى البحث والتنقيب عنه، أو قد يحتاج إلى الجرأة والشجاعة للإقرار به، على الأقل أمام الذات، لأنه غالباً ما يكون أمراً لا يجد الإنسان الطبيعي الشجاعة الكافية لكي يقر به حتى أمام نفسه.

ألم يشعر أحدنا مرة ؟ وربما مرات - بعدم رغبته في رؤية شخص ما، دون أن يكون قد حدث موقف محدد أزعجه منه، ودون أن يكون قد انتهى إلى سمعه كلامٌ غير مقبول منقول على لسان ذلك الشخص، ودون أن يعرف هو شخصياً سبب هذا النفور وعدم الرغبة في رؤية الشخص أو ربما سماع اسمه؟

أظن أن هذا مما مرّ به كل شخص مهما كان سوياً، لكن كيف يفسر كل واحد منا هذا الأمر، هل نلقي بمسؤوليته على النفسية، والمزاج، وعلى الظروف وغيرها من المشاجب التي اعتدنا أن نعلق عليها أخطاءنا وربما حماقاتنا؟

هذا أمر سهل، والأسهل منه ألا نبحث عن مشجب أو علاقة، ولا نشغل أنفسنا بالتفكير في أمر كهذا، ونمضي في حياتنا كأن شيئاً لم يحدث، وحين نشعر بالرغبة في استئناف العلاقة التي قطعناها مع ذلك الشخص -لأننا لم نعد نشعر بذلك النفور السابق منه-، ما علينا إلا أن نتصل به ونتكلم معه كأننا كنا بالأمس معاً.. وليس مهما ما حدث وما يحدث لذلك الآخر.

للأسف.. هذا ما يفعله الكثيرون، وكأن الآخرين رهن إشارة أمزجتهم التي لم يستطيعوا أن يفهموها أو أن يدركوا طبيعتها، مع أن هذه الحالات تشبه تماماً قراءة الترمومتر لدرجة حرارة الجسم، إنها قراءة من نوع آخر، تنبئنا بوجود خلل ما، وعلينا أن نبحث في أعماقنا وفي زوايا أرواحنا وقلوبنا وأذهاننا عن السبب،.. عن الداء الذي ظهرت أعراضه على السطح، وارتفعت درجة حرارة النفسية والمزاج؟

مشيرة إلى وجوده.. تماماً كما يحدث حين يعرف الطبيب من ارتفاع درجة حرارة الجسم أن هناك خللاً ما تجب عليه معرفته ومعالجته. وإذا كنا حريصين على المحافظة على علاقاتنا الإنسانية، ونرغب في حملها معنا إلى مراحل هرمنا وشيخوختنا، بدلاً من أن نقضيها وحيدين من الخلاّن والأصدقاء، فلابد لنا أن نبحث عن الأسباب،.. أن نشخص الحالة،.. أن نعرف الداء،.. ونأخذ الدواء المناسب له.

أذكر أن إحدى صديقاتي قالت لي إنها حين كانت في الثانوية العامة نفرت من إحدى زميلاتها في المدرسة، ليست من طالبات صفها، لكنها كانت تركب حافلة المدرسة نفسها معها مرتين في اليوم، صباحاً وظهراً، وأنها لم تكن تعرف لماذا شعرت فجأة بالنفور منها، مع أنه لم يحدث أي صدام بينهما، أو خصومة أو مشاجرة حتى بالكلام، لكن نفورها المفاجئ منها كان واضحاً للجميع، وبدأت هي بنفسها تتساءل عن سبب ذلك، فإذا بها تتذكر أنها رأتها في منامها في «حلم» تضايقت منه كثيراً، وأن شعورها بالنفور منها بدأ بعد ذلك الحلم!!!

كان يوجد سبب إذن!، ولكنه سبب مزعج ومحرج، إذ كيف يمكن أن تبرر لنفسها أنها نفرت من زميلة تربطها بها علاقة احترام وإخوة بسبب «حلم»، وعلى الرغم من أنها شعرت بالازدراء تجاه نفسها بسبب هذا الأمر إلا أنها مع ذلك لم تتمكن من تجاوزه ومحاولة التظاهر باللطف مع الفتاة التي لم يكن لها أي ذنب في «حلم» فتاة أخرى.

الذي أقصده من ذكر هذا الموقف هو أن الأسباب ستختلف وتتفاوت، وسيكون منها المقبول ومنها غير المقبول، لكن المهم أنها موجودة، والأهم أن يعرف الشخص السبب، وأن يهتم بمعرفته، وإن استطاع أن يشرك الشخص الآخر المعني في ذلك فهذا أفضل للطرفين، حفاظاً على ما كان من ود واحترام، وأيضاً إبقاء على طريق للعودة، في حال فكر أحدهما في ذلك.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com