قام الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش بزيارة عمل استغرقت يوما واحدا إلى العاصمة الألمانية برلين حيث أجرى محادثات مع المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، ووقع أثناء الزيارة حدث عابر لفت انتباه الكثيرين في العالم، خاصة في الغرب وواشنطن، وتناولته وسائل إعلام أوروبية وأميركية، فقد استقبلت المستشارة الألمانية ميركل الرئيس الأوكراني عند مدخل مكتبها وسألته بـ «اللغة الروسية»، التي تتقنها تماما، عن اللغة التي يحب أن يحادثها بها، فأجاب يانكوفيتش على الفور إنه يفضل اللغة الروسية.

هذه الواقعة أثارت اهتمام الكثيرين من الإعلاميين والمحللين السياسيين الذين ناقشوها من ثلاثة جوانب، الأول أنه أمر غير مقبول بروتوكوليا في الحوارات على مستوى القمة بين دولتين أن يتحدث القادة بلغة دولة ثالثة، حتى لو كان قادة هذين البلدين يجيدان هذه اللغة، حيث من المتبع في العرف الدبلوماسي أن يتحدث الرؤساء والقادة بلغة بلدهم، ويعتبر هذا الأمر من عناصر السيادة في العرف الدولي، الجانب الثاني أنه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي منذ عشرين عاما مضت وقادة أوكرانيا وممثلوها الدبلوماسيون يتحاشون الحديث باللغة الروسية تعبيرا عن استقلالهم التام وعدم تبعيتهم لموسكو.

وخاصة مع الغربيين، كما كان الرئيس السابق فيكتور يوشينكو يرفض تماما الحديث بالروسية، وكان يتعمد عدم الرد على الأسئلة التي يوجهها له الصحافيون باللغة الروسية إلا بعد أن يستمع للترجمة بالأوكرانية، وذلك تعبيرا منه عن رفضه التام لأية صلات تربطه بروسيا، وقد تصور البعض أن الرئيس الجديد يانكوفيتش كان سيفضل الحديث باللغة الأوكرانية حتى يبعد عنه شائعات الولاء والتبعية لروسيا، لكنه لم يفعل، أما الجانب الثالث وهو الأهم، والذي حظي باهتمام أكبر، أن المستشارة الألمانية ميركل هي التي بادرت بالحديث باللغة الروسية.

وكأنها، كما يفسر البعض، تفرض على الرئيس الأوكراني هذا الخيار وتضطره إليه، وكان من المفترض حسب البروتوكول أن تحدثه بالألمانية عن طريق مترجم، وألا تسأله عن اللغة التي يريد الحديث بها، لأن هذا قد يفسر من البعض بأنه عدم احترام للغة الأوكرانية ولسيادة أوكرانيا كدولة لها لغتها الخاصة المعترف بها عالميا، كما لفت البعض الانتباه أن هذا أمر غريب من الألمان المعروف عنهم اعتزازهم الشديد بلغتهم ورفضهم استخدام أي لغة أخرى غيرها، ليس في اللقاءات الرسمية والدبلوماسية فقط، بل وحتى على المستوى الشعبي.

ولهذا كان موقف المستشارة الألمانية ومبادرتها بالحديث بالروسية أمرا مثيرا وملفتا للاهتمام من دوائر عديدة تطرقت عند تناولها لهذا المشهد إلى العلاقات الروسية الألمانية التي تشهد تطورا غير عادي في عهد أنجيلا ميركل، وهو الأمر الذي لم يكن يتوقعه الكثيرون عند تولي ميركل الحكم في ألمانيا خلفا للمستشار الألماني السابق جيرهارد شرويدر الذي كان معروفا عنه علاقاته القوية بروسيا.

وكانت ميركل أثناء المعركة الانتخابية توجه لشرويدر انتقادات حادة بسبب علاقاته القوية بموسكو، وزادت الانتقادات بعد أن منحت موسكو شرويدر بعد ابتعاده عن الحكم منصب رئيس مجلس إدارة خط الغاز الشمالي العملاق الذي ينقل الغاز من روسيا لألمانيا وأوروبا، الأمر الذي استخدمته ميركل لتشويه سمعة شرويدر، وتوقع الكثيرون أن العلاقات الألمانية الروسية ستشهد تراجعا حادا في عهد ميركل، ولكن حدث العكس تماما.

وتطورت العلاقات بين البلدين إلى المستوى الذي بات يثير قلقا كبيرا لدى دوائر كثيرة في الغرب، ووصل الأمر إلى حد أن واشنطن اتهمت ألمانيا بالسعي لتفتيت حلف الناتو بإيعاز من روسيا، كما اتهمت بولندا ألمانيا بخيانة أوروبا لحساب موسكو.

أيا كان الأمر، فلا شك أن العلاقات الروسية الألمانية تشهد حاليا تطورا وتنسيقا ملحوظا في كافة المجالات، وأن ألمانيا لديها توجه واضح لضم روسيا بقوة للمجتمع الأوروبي، خاصة بعد طرحها لمنظومة أمنية أوروبية تلعب فيها روسيا دورا كبيرا، الأمر الذي سيسبب لواشنطن قلقا كبيرا على مكانتها في القارة الأوروبية، خاصة وأن هناك دولا أوروبية أخرى كبيرة تبدو عليها نفس الميول الألمانية، مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا.

كان منطقيا ومتوقعا بعد حديث ميركل ويانكوفيتش باللغة الروسية أن يصرح الرئيس الأوكراني أن موضوع انتساب أوكرانيا إلى عضوية الناتو لم يعد حيويا، بينما قالت ميركل إن روسيا تلعب دورا مهما وإنها ترى ضرورة تنظيم التعاون بين كييف وموسكو، وقالت «إننا نريد موقفا طيبا من روسيا».