مغامرة خاسرة ثانية يأتي بها بلير. كتابه المعنون «رحلة» مثير للاستياء أكثر مما هو للجدل. المغامرة المدونة في سبعمئة صفحة لم تثمر جديداً. الكتاب تأرجح نقدياً إذ لم يجنح إلى السيرة الذاتية أو يذهب على طريق المذكرات. رئيس الوزراء الأسبق أخفق في تقديم عمل تاريخي موثق كما فشل في عرض قراءة موضوعية لفصل تاريخي معاصر مثير للغضب والجدل على حد سواء.
رحلة بلير أفرزت احباطاً على أكثر من جبهة. قيمة الكتاب أدنى من ثقل سياسي مرموق أصبح أول رئيس وزراء بريطاني لم يعبر ديواناً للدولة. بلير ثاني اثنين حققاً فوزاً انتخابياً ثلاثياً متتالياً. زعيم حزب العمال أحدث تحولاً نوعياً في بنى الحزب السياسية والفكرية ذوب فيه الفوارق بين اليسار واليمين.
إبان إقامته في دواننغ ستريت مارس بلير دور رئيس الوزراء بعقلية «المدير التنفيذي للشركة» حسب تعبيره. الحقوقي خريج اكسفورد يتمتع بعقلية ممنطقة ولسان زرب. الكتاب لم ينطو على قيمة فكرية تضيف إلى رصيد الرجل. على النقيض انتقصت الرحلة مما هو معروف عنه.
النقد اللاذع الذي صبه بلير على خلفه جون براون يخلو من اللباقة السياسية والوفاء لرجل ساهم في انجاح رئيس الوزراء الاسبق. براون كان وزير خزانة بارع بشهادة ساسة بريطانيين. من يحاجج أن بلير انجح رئيس وزراء عمالي لا ينكر ان براون أفضل وزير بريطاني للخزانة.
بلير نفسه يعترف بأن علاقته مع براون بلغت في إحدى مراحلها درجة الحب المتبادل. هذا الحب لم يمنع بلير من وصف صديقه بأنه يتمتع بقدرة على الحسابات السياسية ولا يملك مشاعر إنسانية كما يفتقد إلى الذكاء التحليلي.
بلير آثار سخط قيادات العمال إذ حملهم مسؤولية خسارة الانتخابات الأخيرة بعد إدانتهم بالتفريط في المعادلات العصرية التي استحدثها. بلير مضى أبعد من ذلك في إثارة استياء العمال حينما أطرى توجهات الائتلاف المحافظ برئاسة كاميرون.
توني بلير أثار غضب أعداء حرب العراق إذ هو لم يمارس ضرباً من النقد والأسف على قرار الذهاب إلى الحرب. على نقيض ذلك تماماً أكد أنه ليس نادماً. رئيس الوزراء الأسبق لايزال يرفض الإصغاء إلى الرأي العام. جورج بوش كان أكثر صدقاً في ذلك منه. الرئيس الأميركي لم يكن حادباً على اصطحاب بلير إلى العراق انطلاقاً من تفهم مأزق حكومة العمال آنذاك.
رئيس الوزراء البريطاني يبرر مغامراته الخاسرة الأولى بالاعتماد على خيار ـ القيادات العسكرية. المشاركة في حرب العراق كانت قراراً سياسياً محضاً. المستشار الألماني غيرهارد شرودر أصغى لنبض شعبه ورفض الحرب. من غير المستبعد صدور توضيح إن لم يكن نفياً من أحد الجنرالات البريطانيين رداً على بلير.
رئيس الوزراء الأسبق استفز بعضاً من المعنيين في المنظمة الخيرية لقدماء المحاربين البريطانيين. فبعد إعلان بلير التبرع بعائدات مبيع الكتاب بما في ذلك سبعة ملايين دولار مسبقة على النشر وصف هؤلاء البعض التبرع ب«المال الدامي».
رئيس الوزراء أثار غضب الملكة اليزابيث الثانية وهي نادرة الغضب فقررت حجب وسام الشرف المقرر ان تنعم به عليه حسبما ذكرت الصحف اللندنية. رحلة بلير لم تكسبه جديداً. هو لم يطلب صفحاً عن خطأ ارتكبه في الحسابات بل شدد على قناعة ذاتية بالمشاركة في حرب العراق. تلك قناعة حاول يلبسها موقفاً مبدئياً بالمساهمة في اقتلاع الطاغية صدام حسين.
على الرغم من ذلك هو يعترف بخطأ في حساب مدى التدخل الإيراني ودور القاعدة في العراق المحرر من الطاغية. كما يعترف بأن تلك الأزمة دفعته إلى الإسراف في تناول المشروبات الكحولية. فتح بلاد الرافدين أمام نهر الدم الجاري والمصير المجهول بعد تدمير الدولة المركزية وبروز الدويلات الطائفية لم يحرض بلير على الاعتراف ببؤس المغامرة الأولى.
إذاً ما الذي دفع بلير لنشر هذه الرحلة الخاسرة؟ ربما نجد الإجابة في مأزق رجل ظل داخل بؤرة الضوء والحدث أحد عشر عاماً ثم خرج إلى الظل فهو لا يزال قادراً على القيادة. بلير السياسي لا يصلح بالضرورة مفكراً.