فضل الله تعالى شهر رمضان على سائر بقية شهور السنة كما في قوله سبحانه (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، وفيه ليله فضلها الله على سائر الليالي وهي ليلة القدر، هذه الكرامة التي اختص الله بها هذا الشهر الفضيل.

هي التي جعلت العباد يفرون من عبادة الهوى والنفس إلى عبادة الله الواحد، ومن ضيق الدنيا وضنكها وكبدها إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأنفس وظلمها إلى رحاب الله وعدله.

يفرون ممن حين يسأل يغضب إلى من أبوابه لا تحجب، يفرون من بيوتهم إلى أعظم بيت وصفه الله في محكم التنزيل (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَار).

فرواد المساجد والمتعلقة قلوبهم بها، لا تشغلهم تجارة ولا بيع ولا أوحال الدنيا وأدرانها عن نداء ربهم، بل لقد قدم سبحانه تلك الصفات على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة.

بأخذك هذا المشهد المهيب في كل ليلة من ليالي هذا الشهر الكريم، وأنت ترى من حولك وفودا تترى إلى بيت الله، على اختلاف ألوانهم كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم قويهم ومن استعان بالله ليلهمه القوة، يفرون إلى الله يرجون رحمته علها تصيبهم نفحاتها كما قال الرسول الكريم [إن لربكم في دهركم نفحات، إلا فتعرضوا لنفحات ربكم].

ذاك المشهد يكشف لكل متابع دون كبير عناء، أصل هذه الأمة ومعدنها الحقيقي ومفاتيح استنهاضها، ويبرهن في الوقت ذاته على أنه مهما توافد عليها من أفكار ومهما تفرقت بها السبل، يظل بيت الله هو الحصن الحصين لها من كل الأنواء، وهو الملجأ والملاذ من كل من يكيد لها بليل أويدبر لها في الخفاء، وهو المحرك الحقيقي لقواها الكامنة، وهو الضمانة من صروف الأيام وعذاباتها.

عندئذ استوقفتني لافتة في مدخل أحد المساجد، أحسنت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في الدولة صنعا، حين كتبت عليها «مساجدنا من مظاهر حضارتنا»، وربما قصدت بذلك الشكل العام للمسجد، كنظافته والترتيب الداخلي له والتعامل مع مرافقه. والحق أن هناك جهدا لا ينكر في هذا الجانب، وخاصة في المساجد الجامعة، وان كان المأمول أكثر.

والذي أرى أن يكون للأمة دور فعال في التوجيه المستمر لرواد المساجد، في ما يخص سلوكياتهم ومعاملاتهم مع بعضهم البعض ونظافة الملبس والتزين، لأنهم في أفضل مكان إلا وهو بيوت الله.

إلا أنني وبناء على المشهد السابق، أذهب إلى أبعد من ذلك لأقول إن «مساجدنا من أركان نهضتنا» حين نعيد لها دورها الذي أسست من أجله.

فقد كان المسجد نقطة الانطلاق، وهو الحاضن والجامع للشتات، وفيه تقال الكلمة الفصل في كافة قضايا المجتمع، وهو المربي والموجه، وما شهده عالمنا العربي من شطط فكري وجماعات رفضت مجتمعاتها واستباحتها، ما كان لولا أن غاب دور المسجد.

هذا الدور الذي حول من كانوا لا يتورعون عن وأد بناتهم واستباحة دمائهم، إلى نماذج فذة لم ير التاريخ الإنساني أعظم منها، كونت مجتمعا متكاملا في كل النواحي الإنسانية، مجتمعا في غنى عن العالم والعالم ليس في غنى عن نوره الذي سطع في كل ربوع الدنيا وأضاء كل ثغر طاله، برجال قال عنهم الفاروق عمر «كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام».

وتفعيل دور المسجد في مجتمعاتنا كأحد أركان النهضة، يشمل محاور متعددة أولها وأهمها تطوير الخطاب الديني، ذلك أن الأمة العربية والإسلامية تواجه اليوم حربا شعواء تستخدم فيها كافة الأسلحة، من تشويه صورة المسلمين والإسلام والربط المخل بينه وبين الإرهاب والقيام بجهود لا تعرف الكلل أو الملل.

لإحلال القيم الغربية غثها وسمنيها، محل قيمنا التي تنبع من عقيدتنا وتراثنا، تقف وراء ذلك وسائل إعلام صوتها هو الأعلى مصداقا لقول الحق (وجعلناكم أكثر نفيرا)، وهنا يأتي أهمية تجديد أو ترشيد أو تطوير الخطاب الديني.

وتجديد الخطاب الديني لا يعني تمييع الدين أو تقويض ثوابته وأركانه، فدين الله أكبر وأجل من ذلك.. لكنه منهج وطريقة لعرض ما لدينا من نور وخير، بأساليب جديدة تجعله قادرا على الأخذ بنواصي الناس إلى خير الدنيا والآخرة، من مسلمين وغير مسلمين، تجديد يشمل أسلوب الداعية ومضمون الدعوة وطريقة التبليغ، بما يحفظ للإسلام أصالته ووسطيته التي هي سر خلوده.

تجديد الخطاب الديني مطلب عقلي أيضا، إذ لا يجب أن نرفع شعار «ما ترك الأولون للآخرين شيئا» وكأننا نقدم مبررات تقاعسنا أو عجزنا، وليس من الصواب أن نأخذ بفكر من سبقنا من غير أن يكون للمؤهلين رأي فيه، ما دام هذا الرأي في إطار الحدود التي يسمح بها الشرع ويحافظ على القواعد الكلية للدين.

إن مقتضيات الحال تتطلب تقديم خطاب ديني، يبعد عن الحكي أو سرد القصص دون ربطها بظروف واقع نعيشه.. خطاب لا يكتفي بالتركيز على المظهر، لكنه يوضح الفكر التكاملي للإسلام الذي قامت عليه حضارة أطلت على الدنيا فملأتها بنور الحق والعدل والخير..

خطاب يفقه الواقع ويقدر حاجاته، ولا يكتفي بالحديث عن الآخرة دون الحث على إعمار الأرض وإصلاحها.. خطاب قادر على التعامل مع الإشكاليات التي تواجهنا، دون جمود، ولا يحول الدين إلى مجموعة من التحوطات أو المحرمات والممنوعات..

خطاب يفتح للناس أبواب الرحمة والإنابة، يبشر ولا ينفر، ييسر ولا يعسر.. خطاب لا يخاصم واقعه ولا ينفصل عنه، ولكنه يدرك أن الحكمة ضالة المسلم أنى وجدها فهو أحق الناس بها. نحتاج إلى خطاب يوضح لأمتنا طريقا للعزة والرقي، على هدي من عقيدتها لتكون كما أراد الله لها من مكان ومكانة.. من هنا نبدأ.

عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com