في إطار الاستعدادات الجارية على قدم وساق لاستئناف عملية المفاوضات العبثية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كانت مصادر إسرائيلية تكشف النقاب الأيام القليلة المنصرمة عن زيارة سرية قام بها الدبلوماسي الأميركي والمبعوث الأسبق للشرق الأوسط دنيس روس إلى إسرائيل.

وأن الرئيس اوباما قد بعث روس لبحث موضوع تجميد الاستيطان وإيجاد حل لهذه المشكلة التي تهدد المفاوضات قبيل استئنافها.

على أن علامة الاستفهام في هذا المقام، هل أحسن اوباما اختيار مبعوثه، سيما وان عقبة الاستيطان هذه تهدد بنسف المفاوضات الواهية أصلاً من جذورها، والعودة بالموقف المتعثر والذي يكاد ينفجر إلى المربع الأول من جديد؟

يصعب على المرء بداية أن يصم أذنيه عن الأقاويل الكثيرة المنتشرة حول جذور دنيس روس اليهودية، وربما نشأ هذا الشعور من ميوله الواضحة جدا لإسرائيل.

فقد شارك روس في تأسيس لجنة الشؤون العامة الأميركية ـ الإسرائيلية المشهورة باسم الإيباك، والتي تعد الذراع الطويلة والقوية للوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية.

وكانت مجلة التايم الأميركية الشهيرة قد نشرت خلال عمله وسيطا بين الفلسطينيين وإسرائيل، تقريرا وصفت فيه روس بأنه وسيط غير نزيه، وعرفته على أنه محامي إسرائيل، وقالت إن له العديد من المقالات والكتابات التي تؤكد ميوله اليهودية، لدرجة أنه عين مؤخرا عضوا في اللوبي الإسرائيلي في أميركا.

والقارئ لكتاب روس عن الأساطير والأوهام والسلام.. يستنبط الكثير عن آرائه ومعتقداته، حيث يسلط الضوء على ما يرى أنه جملة من الأساطير والأوهام لدى القادة الأميركيين عن منطقة الشرق الأوسط، بغية سلوك طريق جديد لتحقيق السلام...

أما لماذا فشلت الولايات المتحدة باستمرار في تحقق أهدافها الاستراتيجية في الشرق الأوسط وفي مقدمتها السلام؟ فسؤال يرى ان جوابه هو «اننا كنا نعمل في المنطقة على ضوء افتراضات خاطئة أو أساطير عن طبيعة دوافع بلدان الشرق الأوسط وقادتها».

ومن الأساطير التي يراها روس، فكرة ان حل الصراع العربي الإسرائيلي يشكل مفتاحا لحل مشاكل المنطقة، وان تغيير الأنظمة في المنطقة شرط أساسي للسلام والديمقراطية، وان القيادة الإيرانية لديها مناعة إزاء الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية.

هذه الأساطير، على حد تعبير دنيس روس، وبعض أشكال سوء الفهم التاريخية الأخرى: «أوجدت أعواما من السياسات الفاشلة، وشلت قدرة أميركا على اتخاذ قرارات مثمرة في هذا الجزء المتقلب من العالم، أي المنطقة التي سيكون بيدها مفتاح أمننا في القرن الحادي والعشرين».

اشتهر دنيس روس بأنه متحدث بارع في الدفاع عن إسرائيل، وعلى حد تعبير كثير من وسائل الإعلام الغربية، فإن الرجل كان أفصح من أي ناطق إسرائيلي رسمي، في الدفاع المستميت عن رؤية إسرائيل لما ترى انها مشروعات للسلام، في حين انها تبقى سادرة في غيها الامبريالي.. وهنا اعتبر روس ملكيا أكثر من الملوك الإسرائيليين.

كان أخطر قرارات روس تلك التي أراد فيها أن يفرض رؤيته للسلام على الزعماء والقادة العرب، عندما اقترح إرسال وفد من وزراء الخارجية العرب بمن فيهم وزير خارجية المملكة العربية السعودية الأمير سعود الفيصل، إلى إسرائيل.

وكأني به يريد من هؤلاء الذهاب إلى هناك لتقديم فرائض الطاعة والولاء! وقد اعتبر هذا المقال إدانة لروس الذي يعمل كوسيط إسرائيلي، وليس كوسيط أميركي.

ومع ان العالم كله اعتبر المبادرة العربية للسلام التي طرحتها المملكة العربية السعودية عام 2002، مبادرة متقدمة في مسيرة السلام، الا أن روس رفضها كما رفضتها إسرائيل.

ولعل ما لا يعلمه الكثير منا، هو ان روس قد لعب دورا بالغ الأهمية في إصدار التقرير الثالث لمعهد تخطيط سياسة الشعب اليهودي عام 2006، وهو التقرير المهم للغاية في توجيه دفة السياسات الإسرائيلية في الأعوام القادمة.

ومن أهم ما ورد فيه انه حذر من تناقص عدد اليهود حول العالم، الأمر الذي يعد كارثة حقيقية لليهود وليس لإسرائيل فقط، إذ وصل الرقم ذلك العام إلى 13 مليونا فقط، منهم 3 .5 ملايين في داخل إسرائيل و7 .5 ملايين في الولايات المتحدة الأميركية.

والقضية الأخرى التي لا تقل أهمية عن سابقتها، هي تحذير إسرائيل من الخطر الديمغرافي العربي الذي يتهددهم وأجيالهم في المستقبل، فقد ركز التقرير على إمكانية زيادة عدد السكان العرب الحاصلين على الجنسية الإسرائيلية عن عدد اليهود، حيث بلغت نسبة التكاثر عند العرب 6 .2% مقابل 5 .1% عند اليهود.

ومن الأخطار الأخرى التي تواجه إسرائيل، تصاعد موجة الكراهية لليهود في العالم، رغم كل القوانين التي تضعها دول العالم لمحاربة ما يسمى بمعاداة السامية. ويشير التقرير الذي وقف روس وراء إصداره، إلى ما يدعيه من خطر تصاعد الحركات الإسلامية على الصعيد السياسي، مثل دور حماس في الداخل الفلسطيني.

فيما الأمر المهم الآخر الذي يشير إليه التقرير، هو دور التيارات اليمينية المسيحية الانجيلية، والتي يعرفها البعض بالصهيونية المسيحية داخل أميركا، وكيفية العمل على استغلال هذه الحركات إلى أقصى حد ومد من أجل صالح الدولة العبرية...

وفي ضوء ما تقدم يتوجب السؤال: هل دنيس روس مبعوث ملائم من قبل الرئيس اوباما في هذا التوقيت الحرج؟ أم أنه اختيار غير موفق لوسيط غير نزيه يغلب عليه الهوى والميل لإسرائيل؟!

كاتب مصري

emileamen@gmail.com