دشن رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين يوم الأحد 29 أغسطس المنصرم الجزء الروسي من مشروع خط أنابيب «شرق سيبيريا ـ المحيط الهادئ»، لنقل النفط الروسي من سيبيريا إلى الصين، وتبلغ طاقته السنوية 15 مليون طن حيث جرى ضخ النفط الخام لملء الأنبوب بحيث يتم تسليم الشحنات الأولى مطلع العام المقبل، ويعد هذا الحدث من أهم الأحداث في أسواق النفط العالمية خلال هذا العام.
وقد أشار بوتين إلى أهمية هذا المشروع بالنسبة لروسيا، وقال إن موسكو تضخ حاليا نحو 130 مليون طن من النفط إلى أوروبا، ومع انطلاق هذا المشروع ستنوّع روسيا أسواق الخام إلى منطقة دول المحيط الهادئ الآسيوية لتصل كميات النفط من روسيا إلى آسيا إلى 30 مليون طن سنويا، وتوسيعها بعد ذلك لتصل إلى 50 مليون طن سنويا، وإن ذلك يشكل مدخلا لولوج السوق الصينية الواعدة.
هذا الحدث الهام له قصة صراع طويلة ترجع لأواخر التسعينات من القرن الماضي، فقد تصاعدت حدة الصراع على أسواق النفط العالمية مع تناقص كميات احتياطيات النفط العالمية بسبب زيادة استهلاك النفط في العالم، ولعبت الأسواق الآسيوية دورا كبيرا في زيادة استهلاك النفط خلال العقدين الماضيين مع الطفرة الكبيرة في نمو الانتاج الصناعي في أسيا، خاصة في الصين وفي دول جنوب شرق أسيا، هذه الدول التي أصبحت تشكل منافسة خطيرة للدول الصناعية الكبرى في أسواق الطاقة.
وقد أعطى هذا الواقع مكانة كبيرة وحيوية لروسيا باعتبارها ثاني أكبر منتج للنفط في العالم، كما أعطى أيضا هذا الواقع زخما كبيرا للعلاقات الروسية ـ الصينية، حيث زاد استهلاك الصين من مصادر الطاقة خلال العقدين الماضيين بنسبة تصل إلى 30%.
وواجهت الصين مشاكل كبيرة في الدخول في أسواق النفط العالمية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي التي تهيمن الشركات الغربية على مصادر الطاقة فيها منذ عقود طويلة مضت، الأمر الذي جعل الصين تتطلع بشكل كبير لجارتها الكبرى روسيا رغم عدم استقرار العلاقات بين البلدين في الحقبة الشيوعية.
في نفس الوقت كانت اليابان تبذل جهودا كبيرة ومستمرة من أجل الحصول على النفط الروسي، وعرضت اليابان على روسيا مشروع خط أنابيب لنقل النفط الروسي لليابان بطول نحو3700 كيلومتر وبتكلفة نحو خمسة مليارات من الدولارات تتحملها اليابان، إلى جانب نحو مليارين تقدمهما اليابان كاستثمارات في حقول نفط سيبيريا، ودخلت الصين في المنافسة لتعرض على روسيا بناء خط أخر لنقل النفط الروسي إليها بطول نحو 2400 كيلومتر، وبتكلفة نحو ثلاثة مليارات من الدولارات.
وقدمت عرضا بنحو 12 مليار دولار كاستثمارات صينية في قطاع النفط الروسي، واشتعلت المنافسة بين البلدين بشكل علني، وكان الجانب الروسي متردد بين العرضين، خاصة وأن الخط الياباني رغم نفقاته الباهظة إلا أنه يفتح المجال لتوصيل النفط الروسي إلى دول أخرى مجاورة، أما الخط الصيني فسوف يقتصر على الصين فقط، مما يعطي بكين نفوذ أكبر على الخط في المستقبل.
وفي مايو عام 2003 قامت المؤسّسة الصينية للنفط والغاز الطبيعي وشركة يوكوس الروسية للنفط بالتوقيع على اتفاقية عامة لمشروع بناء الخط الروسي إلى الصين، إلا أن الحكومة الروسية وبعد شهر من توقيع الاتفاقية تراجعت فجأة، وقررت التعاون مع اليابان بدلاً من الصين.
ولم يكن سبب التراجع تفضيل لليابان على الصين، ولكن كان السبب يرجع إلى غضب الحكومة على شركة النفط الروسية «يوكوس» التي تعاقدت مع الصين، ورئيس الشركة ميخائيل خودركوفسكي الذي يقضي الآن عقوبة بالسجن تسع سنوات بسبب تهرب من الضرائب بالمليارات، وبالتالي لم تكن الصين هي الهدف بل شركة يوكوس.
وما أن استقرت أوضاع إنتاج النفط داخل روسيا، وعادت الحكومة الروسية لتسيطر على هذه الأسواق في عهد رئاسة فلاديمير بوتين، عادت العلاقات الروسية الصينية لتدخل عهدا جديد من النمو والتطور في كافة المجالات، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وانطلاق الحملة الأميركية على الإرهاب، وتزايد النفوذ الأميركي في وسط أسيا في المنطقة الواقعة بين روسيا والصين، الأمر الذي دفع موسكو وبكين لتطوير علاقاتهم في كافة المجالات، وكان مجال الطاقة له الأولوية، ومن هنا كان تفضيل روسيا وتدشين خط النفط إلى الصين بدلا من اليابان.
خبيرة الطاقة الروسية