من ينظر إلى الوجوه التي تمثل الطرف العربي في مفاوضات واشنطن يدرك أن الرهان على الخروج بشيء منها نوع من السفه.. فالمفاوضون هم انفسهم الذين ارتكبوا حماقات في السابق على رأسها اعتبار الاستيطان واحدة من قضايا الحل النهائي، ما أعطى إسرائيل الفرصة للبناء بشكل متوحش وغير مسبوق أصبح يلتهم 42% من مساحة الضفة الغربية.. وضاعف عدد المستوطنين ثلاث مرات منذ أوسلو وحتى اليوم. المفاوض لا بد أن يكون محنكاً..
على دراية تامة وخبرة عميقة بالموضوعات التي يتناقش فيها مع الخصم.. لذلك ترى الوفود المفاوضة مطعمة بخبرات أكاديمية وقانونية.. وهي التي تتخذ القرار فيصدق عليه السياسي أو يطالب بتعديلات طفيفة تتيح له أن يزعم أمام الخصم أنه وصل سقف التنازلات، ولم يعد لديه ما هو أكثر..
أما عربياً، فالسياسي هو الذي يتخذ القرار ومن بعد يتولى فريق التفاوض وضع مسوغات وأطر تجعل تصرفه مقبولاً. يضاعف من هول ما يمكن أن يحدث أن السياسي الفلسطيني أصبح عبئا على القضية بنفس الدرجة التي أصبحت القضية عبئا عليه.. فنفق أوسلو قاد إلى وضع غريب.. سلطة تتعيش على المساعدات الدولية بعد أن بددت أوراقها..
وتتعيش أيضاً على دوام الاعتراف الغربي بشرعيتها بعد أن فقدت الشرعية القانونية والدستورية احتكاما إلى القوانين التي سنتها بذاتها، كما أن الداعم العربي هو الآخر غارق في المشاكل حتى أذنيه وربما رأى المفاوضات فرصة لتمرير تسوية مع القوى العظمى لأوضاع داخلية تزعجه..
ومن هذا المنطلق نحن أمام نوع من السمسرة وليس التفاوض الذي يعيد حقوقا طال أمد ضياعها. ما دفع أحد كبار الكتاب العرب إلى أن يعنون مقاله بعبارة «تشييع فلسطين في حديقة الورود.. على ماذا يشهد الضيفان العربيان»؟
ورغم أن التسريبات التي تنشرها الصحف الإسرائيلية في مثل هذه الظروف تكون موجهة لخدمة أغراض الدولة ومصالحها العليا، إلا أن قصة الاتفاق في عام والتنفيذ في عشرة يبين لنا إلى أي حد تريد إدارة أوباما انتزاع انتصار ولو كان وهميا (أمام العدسات) يتيح للديمقراطيين تقوية مركزهم قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس ومواجهة الزحف اليميني المتطرف الذي يغذيه الحزب الجمهوري، ولا سيما أن الانسحاب من العراق تم تسويقه على أنه «انتهاء مهام» وليس تحقيقا لنصر أو حسما لمعركة. كما أن مهمة أفغانستان تواجه صعوبة بالغة ويتهدّدها نفس السيناريو العراقي (انسحاب لتجنب المزيد من الخسائر).
نتانياهو ليس رجل سلام ولن يكون حتى يلج الجمل في سم الخياط، وبنفس الدرجة فإن أبو مازن ليس الرجل الذي يمكن أن تتحقق على يديه أحلام التحرر الفلسطيني.. فالقضية تحتاج إلى عرفات آخر، يمنح من حوله ثقة أنه لا يمكن أن يفرط وانه يمكن أن يتحول من مفاوض إلى مقاتل إن استدعى الأمر، فتحرير الأوطان من نير الاحتلالات طويلة الأمد لا يحتمل نبذ خيار المقاومة حتى وإن كان المحتلون نصف ملائكة، كما لا يحتمل الصفقات التي تشبه عمليات السمسرة.
وحتى لو كان أبو مازن سيعمل بنفس الروح العرفاتية (يلين حين لا ينفع إلا اللين ويتصلب حينما يفيد التصلب) فإن الانقسام الجغرافي الحاصل بين الضفة وغزة، وعدم التئام منظمة التحرير، وحالة التهافت العربي على أي حل ولو كان الحل في ذاته يخلق كارثة جديدة.. كل ذلك يجعل المفاوض في موقف ضعف.
كما أن شبح المصير الذي تعرض له عرفات من حصار إسرائيلي وعربي ودولي بشع بعد رفضه صفقة كامب ديفيد2,. تجعل الساسة يتوجسون خاصة وأنهم ليسوا بعزمه ولا يمسكون في أيديهم بكل الأوراق على نحو ما كان يفعل. الغريب في الأمر أن من كانوا ينتقدون السادات ومن بعده عرفات باعتبارهما مفرطين في الحقوق أصبحوا الآن يتحسرون على زمنهما.