في يونيو الماضي عارضت تركيا قرار الأمم المتحدة بفرض عقوبات إضافية ضد إيران. حدث ذلك بالتزامن مع ذروة تأزم العلاقات التركية الإسرائيلية جراء الهجوم الإسرائيلي على قافلة الحرية لإغاثة قطاع غزة ومصرع عدد من المواطنين الأتراك.

على خلفية هذين الموقفين، امتعضت واشنطن مما اعتبرته انحرافاً تركياً عن السياسات الغربية العامة والمرادات الأميركية الشرق أوسطية. لكن الإدارة الأميركية قدرت حجم الغضب الذي فجرته المباغتة الإسرائيلية ضد السفن التركية في عرض المتوسط، وحاولت تطييب خاطر أنقرة بإظهار معارضتها النظرية للتصرف الإسرائيلي الأرعن، وبالتغاضي المؤقت عن الاعتراض التركي على معاقبة طهران.

بعد بضعة أسابيع، تخلت الولايات المتحدة عن سياسة كظم الغيظ تجاه أنقرة. وفي منتصف أغسطس أوضح تقرير نشرته فاينانشال تايمز البريطانية أن الرئيس باراك أوباما حذر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان صراحة من أن بعض المواقف التي اتخذتها أنقرة مؤخراً في الملفين الإسرائيلي والإيراني، بدأت تثير حفيظة الكونجرس الأميركي وتطرح تساؤلات حول إمكانية الوثوق في تركيا كحليف للولايات المتحدة..

وأورد التقرير ما يوحي بأن أوباما انتقل في حواره مع أردوغان من التحذير إلى الإنذار بأن «هناك صعوبة في تمرير المطالب التركية بخصوص شراء أسلحة أميركية، تود أنقرة توظيفها في حربها ضد الانفصاليين الأكراد ..»!

هذه المقاربة الأميركية للعلاقة مع حليف قديم مثل تركيا، تؤكد مجدداً احتمال صحة المقولة التقليدية التي مؤداها أن الوصول إلى قلب واشنطن بالنسبة لبعض العواصم والقضايا يمر عبر تل أبيب، ومعناها المتداول أن واشنطن تكيف علاقتها مع هذه العواصم وفقاً للمسافة التي تتخذها من إسرائيل قرباً وبعداً؛ رضاء ونفوراً.

هناك تطبيقات يضيق المقام عن ايرادها لهذا النموذج المنحرف في حقل التفاعلات الدولية بين الولايات المتحدة وكثير من الدول. ونظن أن أنقرة لم تكن غافلة عن هذه الحقيقة وهي تتعامل مع الصلف الإسرائيلي بين يدي قضية الهجوم على سفنها في مايو الماضي. نفهم ذلك من ردود أفعالها على الهجوم التي بدت وكأنها محكومة (أو مكظومة!) بالتصور الذي أفصح عنه أوباما وأوساط الكونجرس بشكل فج لاحقاً.

والأرجح أن العواصم الغربية الكبرى تدير علاقاتها الخارجية على نحو مشابه وإن لم يكن مطابقاً تماماً للحيثية التي تتعامل بها واشنطن؛ حتى ليمكن القول بأن إسرائيل هي الحاضر الغائب أو الطرف الثالث في إطار منظومة العلاقات الغربية مع الأطراف الدولية الأخرى.

الشاهد في كل حال أن العواصم الغربية توفر شبكات أمان وجسور تواصل لإسرائيل في الرحاب الدولية، وهذا أمر يتيح لإسرائيل أو يبيح لها التحدث بحجم من القوة يفوق طاقتها وقدرتها الحقيقية. وإذا ما حصرنا المعالجة بما يدور بين إسرائيل والأطراف العربية وقعنا على مشهد عميق الدلالة بالنسبة للحماية الغربية، الأميركية بخاصة، المسبغة على إسرائيل.

والحماية في هذا السياق تتجاوز الأبعاد الدبلوماسية والسياسية والقانونية والاقتصادية إلى الجوانب العسكرية والاستراتيجية، وعموماً تبدو إسرائيل في هذا النموذج كبضعة من «عالم الغرب»، وذلك إلى الدرجة التي يثور عندها الاعتقاد بأن هذا العالم ربما كان على استعداد لخوض الحرب دفاعاً عن المصالح الحيوية لهذه الدولة ووجودها العضوي.

لنا أن نلاحظ بالخصوص افتقار العرب إلى مثل هذا العراب في جميع مراحل التصدي للعدوان الإسرائيلي. حقاً كان لدى العرب بعض الأنصار والمؤازرين، كشأن المعسكر الاشتراكي ذات حقبة، غير أن هذه النصرة والتأييد لم يبلغا يوماً في هذا المقام طور التحالف العضوي ولا مستوى القداسة التي كان عليها ولا يزال الإسناد الغربي لإسرائيل.

ويدعو للتأمل أن العرب، وفي طليعتهم الفلسطينيون، كانوا الأكثر معاناة من هذا الخلل في أنماط التحالف. وأنه لم يسبق لطرف عربي قاتل إسرائيل أو فاوضها أن غفل عن تداعيات هذا الخلل على موازين القوى بينه وبين إسرائيل في سياق القتال أو التفاوض.

ومع أن إسرائيل بدورها على دراية يقينية بأنها لا تقف وحيدة في ميادين القتال والتفاوض، إلا أنها عادة ما تدافع بكل تبجح عن صيغة التفاوض المباشر الذي يمتنع فيه الوسطاء. وهذا موقف ظاهره فيه الإيحاء بالندية وباطنة فيه عدم التساوي لصالحها.

قريباً سيعود الطرف الفلسطيني إلى هذه الصيغة وهو يدرك بأنه إنما يواجه في التحليلين الأول والأخير إسرائيل مضافاً إليها الإسناد الغربي؛ الأميركي منه بشكل استثنائي. وإذا كانت واشنطن قد صارحت تركيا بهذه الحقيقة، فالأحرى أن يتعمق إدراك العرب لهذه الرسالة وأن يجتهدوا ما وسعهم الاجتهاد لأجل تعزيز المفاوض الفلسطيني وهو مقبل على مناطحة إسرائيل ومن يظاهرونها على جانبي الأطلسي!

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com