فيما كانت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تستقبل الوفود العربية المشاركة في قمة واشنطن بدءاً بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، وفي توقيت محكم وهادف، قامت مجموعة من كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس، بعملية عسكرية ناجحة أدت إلى مقتل أربعة مستوطنين بأقرب من مستوطنة كريات أربع كبرى المستوطنات الإسرائيلية في منطقة الخليل.

قبل وقوع العملية العسكرية، كان بوسع السلطة الفلسطينية أن تتحدث بلغة واثقة، بأنها تمكنت من ضبط الأوضاع الأمنية في الضفة، مما يعني أنها قادرة على الوفاء بما يترتب عليها من التزامات في حال التوصل إلى اتفاق تسوية، غير أن نجاح حماس في تنفيذ العملية، رفع علامة استفهام كبرى، ووفر لإسرائيل المزيد من المبررات، لتأكيد تمسكها بالمواقف المتطرفة التي تكفي لنسف أي عملية سلام.

في الواقع فإن ما توفر من مواقف لدى إسرائيل قبل وقوع العملية، التي قد تكون بداية لسلسلة من العمليات، كان من التطرف بحيث لا يبقي الحد الأدنى من الأمل والتفاؤل بإمكانية نجاح المفاوضات التي تصر الولايات المتحدة على إجرائها بين الفلسطينيين والإسرائيليين كمقدمة لإحياء المفاوضات الإسرائيلية- السورية- اللبنانية، كما تقول وزيرة الخارجية الأميركية، في محاولة لإضفاء مصداقية على سياسة إدارتها الباحثة عن السلام.

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو كان قد أكد أن حكومته ليست بصدد تمديد التجميد المؤقت للنشاطات الاستيطانية الذي يصادف السادس والعشرين من الشهر الجاري، وكان من الواضح أنه يرد على تهديدات الرئيس محمود عباس الذي أعلن أكثر من مرة، أن استئناف النشاطات الاستيطانية من شأنه أن يؤدي إلى توقف المفاوضات، وأن إسرائيل عندها ستتحمل وحدها المسؤولية عن إفشال الجهود الأميركية للتسوية.

على أن نتنياهو لم يتوقف عند هذا الحد، بل أعلن بشكل صريح أن المفاوضات ينبغي أن تنتهي بموافقة فلسطينية على الطابع اليهودي للدولة العبرية، فضلاً عن ضرورة تحقيق كل متطلبات الأمن الإسرائيلي.

وبدون مواربة يرفض نتنياهو مجرد مناقشة أهم وأصعب القضايا التي يصر عليها الفلسطينيون باعتبارها جوهر القضية الفلسطينية، وهي قضية عودة اللاجئين. بالجملة فإن ما أعلنه كل من نتنياهو وعباس، يشير إلى أن الطرفين يذهبان إلى المفاوضات المباشرة في واشنطن برعاية أميركية مباشرة، وغطاء عربي يوفره حضور مصري وأردني على أعلى مستوى. ما أعلنه الرجلان يعني بوضوح أنهما يذهبان بدون اتفاق على إطار المفاوضات أو مرجعيتها، أو حتى موضوعات التفاوض.

التطرف الإسرائيلي الذي يستفز الحجر وليس فقط البشر، بلغ ذروته من خلال التصريحات العنصرية التي أدلى بها الحاخام عوفاديا يوسف، الأب الروحي لحركة شاس الدينية المتطرفة، التي تشكل إحدى أبرز كتل الائتلاف الحكومي، إذ تمنى فناء الرئيس الفلسطيني وشعبه بالطاعون.

وعلاوةً على ذلك، كان على نتنياهو وهو في طريقه إلى واشنطن، أن يدرك بأنه مقيد بسلاسل مجلس المستوطنات الذي أكد وبالممارسة العملية، رفضه وعدم التزامه بأي موقف يؤدي إلى تجميد النشاطات الاستيطانية.

صحيح أن الرئيس الأميركي باراك أوباما، استطاع أن يضبط اللغة التي عبر عنها نتنياهو إزاء عملية حماس ضد المستوطنين في الخليل، لكن هذا الانضباط لا يشمل ولا يعني شيئاً بالنسبة للممارسات الفعلية على الأرض، حيث أعلن مجلس المستوطنات عن استئناف النشاطات الاستيطانية مباشرةً بعد الانتهاء من مراسم دفن القتلى الأربعة من المستوطنين.

لقد حسم المستوطنون الأمر، بما يضع الرئيس الفلسطيني، والرؤساء العرب المشاركون في قمة واشنطن الخماسية في حالة حرج شديد.

وفق التصريحات السابقة على عملية حماس، كان استئناف النشاطات الاستيطانية سيؤدي إلى إفشال المفاوضات، وربما انسحاب الطرف الفلسطيني منها، والسؤال هو هل ستؤدي العملية وردود الفعل الإسرائيلية العملية عليها إلى إفساد وتوقف المفاوضات بمبادرة فلسطينية أو عربية؟

الجواب واضح، فالمصريون يتحدثون عن ضرورة استثمار هذه الفرصة المتاحة للسلام، أما الرئيس محمود عباس فهو القائل إنه سيتابع البحث عن السلام حتى لو أن الأمل في تحقيقه كان ضئيلاً جداً.

كل ذلك وما زلنا لا نحتسب ردود الفعل الأخرى المتوقعة على العملية العسكرية التي نفذتها حركة حماس، وهنا يترتب علينا أن نتوقع تصعيداً عسكرياً كبيراً ضد حركة حماس في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية، خصوصاً وأن إسرائيل تنتظر وتستجمع المزيد من الذرائع لخلط الأوراق، وتحويل اتجاه حركة المبعوث الأميركي لعملية السلام جورج ميتشل في اتجاهات أخرى.

إسرائيل ستبرر اعتداءاتها القاسية ضد قطاع غزة، بالحديث عن الحاجة لمواجهة ما تسميه الإرهاب الفلسطيني، وبادعاء أنها تدافع عن السلام الذي يتحمل الفلسطينيون المسؤولية عن إفشاله، وفق المزاعم الإسرائيلية.

إن قراءة الأبعاد المختلفة لمدى جاهزية الأطراف المعنية بإحياء المفاوضات وعملية التسوية، بما في ذلك مدى جاهزية الولايات المتحدة، وأطراف الرباعية الدولية، إن مثل هذه القراءة، ستخرج بنتيجة لا لبس فيها، مفادها أن كل ما يجري في هذا الإطار لا يخرج عن حدود إدارة الأزمة، إلى العمل الحقيقي من أجل معالجتها.

فإذا كان الطرف الفلسطيني ومن خلفه العربي يعاني من الضعف والانقسام، ومن قوة المعارضة الفلسطينية للمفاوضات، فإن الطرف الإسرائيلي يعاني من شدة التطرف وعنجهية القوة، فيما تعاني الولايات المتحدة أساساً من غياب القدرة والرغبة في إقناع أو إرغام إسرائيل على الاستجابة للحد الأدنى من متطلبات السلام.

هذا يعني في الأخير أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس باراك أوباما، قد صرفت وقتاً وجهداً طويلاً ومضنياً، دون أن تتمكن من تغيير وتحسين البيئة التفاوضية، ودون أن تغير في مواقف الأطراف بما يسمح لإطلاق عملية تفاوضية مثمرة وناجحة.

وهكذا نكون في حقيقة الأمر، أمام عملية علاقات عامة كبرى وطويلة، من أجل كسب الرأي العام العالمي كل لصالحه، وليس أمام عملية سلام حقيقية، والأرجح أن فك عقدة السلام تحتاج إلى عمليات جراحية كبرى، تؤدي إلى تغييرات جذرية في واقع ووقائع المنطقة.

كاتب فلسطيني