قدمت الصور التي نشرتها المجندة الإسرائيلية (إيدن أبرجيل) في صفحتها على الفيسبوك، من جديد، شهادة لا تقبل الشك عن العنصرية الإسرائيلية، ليس في مجال التطبيق فقط بل في مجال ترسّخها في وعي الإسرائيليين وقيمهم وثقافتهم وتربيتهم.

فقد عبرت هذه المجندة عن دهشتها، بعد نشر الصور، لأن بعض الصحافة ووسائل الإعلام أثارت المشكلة، ولأن بعض الرأي العام احتج على هذه الصور واعتبرها عنصرية، وأكدت أنها لا تفهم هذا الاحتجاج ولا ترى في عملها أي عنصرية، وهذه في الواقع هي نتيجة طبيعية للتربية المدرسية الإسرائيلية المطبقة منذ أكثر من ستين عاماً.

إضافة إلى ما يفعله التوجيه العسكري والتعصب الديني باليافعين والشباب الإسرائيليين، وما تكرسه السياسة الثقافية والإعلامية الإسرائيلية، التي تدعو إلى إلغاء الآخر واستباحته امتثالاً لقول توراتهم (صب غضبك على الأغيار).

ولهذا لم تر هذه المجندة عيباً في أخذ صورة لنفسها مع أسرى مغمضي العينين، جالسين أذلاء، لا يعرفون ما يجري حولهم، وهي واقفة (صامدة) مبتسمة فخورة بإذلالهم بما تمارس من أعمال عنصرية، لأن تربيتها الدينية والمدرسية والعسكرية والاجتماعية، مبنية على معتقدات وقيم ومنظومات أخلاقية تأخذ مشروعيتها من التلمود، ومن فقه رجال الدين اليهودي الأكثر تخلفاً وعنصرية وإيماناً بالأساطير والأوهام، كما تأخذها من الثقافة الإسرائيلية التي احتضنت مفاهيم هذا الفقه، وتبنته وآمنت به كأفكار مطلقة وتعليمات من الخالق لا يجوز تبديلها أو تأويلها.

لقد توسع الحاخامات ورجال الدين اليهودي في تفسير التوراة كما يريدون، خاصة خلال تأليفهم للتلمود طوال الألف عام الأولى قبل الميلاد، ومنها المرحلة التي كانوا فيها تحت السبي البابلي في العراق، فأعطوا لأنفسهم الحق في تكوين فقههم الذي أصبح دينهم فيما بعد، وكان الأمر بمجمله رد فعل على واقع بائس واجهوا فيه الذل بتبني الفرادة والسمو ثم العنصرية، واستباحوا قتل الآخرين (الأغيار) وحجز الجنة لأنفسهم فقط، وأكدوا على مقولة (شعب الله المختار) الذي خلقت الشعوب الأخرى لخدمته، وعليه أن يحكمها ويصادر أموالها بل أيضاً أن يقتلها، فاليهود (أبناء الله وأحباؤه) ولهم الحق في الاتكاء عليه.

ولعل هذه الأفكار العتيقة، التي تضمنها التلمود، وحرص الحاخامات على المحافظة عليها وتكرارها والمطالبة بتطبيقها، أصبحت ثقافة كرستها السياسات الثقافية الإسرائيلية التي من مهماتها العمل على دمج (أبناء إسرائيل) في نسيج فكري وثقافي موحد.

صرح الحاخام عوفاديا يوسف رئيس طائفة اليهود الشرقيين في العالم ورئيس كتلة شاس البرلمانية قبل عدة سنوات (أن العرب صراصير وأفاعٍ يستحقون الإبادة) وأعاد تصريحاته في الأسبوع .

ويصيبهم بمرض الطاعون، مما استفز حتى الناطق باسم البيت الأبيض. وكان الحاخام نفسه قد طالب أنصاره قبل حين أن لا يشفقوا على العرب فهم يستحقون قصفهم بالصواريخ بكثافة وإبادتهم لأنهم أشرار. وطالما ردد أن الإسلام قبيح والمسلمين مثل دينهم.

إن هذه الخلفية العنصرية، سواء منها ما جاء في التلمود أم تلك التي صنعتها التربية متعددة الجوانب، أم تعليمات الحاخامات، كونت الجيلين الأخيرين من المجتمع الإسرائيلي على شاكلتها، فأصبحت الأغلبية الساحقة من هذا المجتمع متطرفة وعنصرية، وهذا ما شاهدناه خلال دورتي الانتخابات الإسرائيلية الأخيرتين.

حيث تقدمت فيهما الأحزاب المتطرفة والعنصرية (حزب الليكود، ثم وليده حزب كاديما، والحزب الهمجي إسرائيل بيتنا الذي ينادي بترحيل العرب) وكذلك الأحزاب الدينية (كتلة شاس التي أصبح بإمكانها إسقاط الحكومة، ويهدوت هاتوراه، والمفدال) على حساب أحزاب إسرائيلية أقل تطرفاً مثل (حزب العمل) أو أحزاب ليست متغطرسة ولا عنصرية مثل (حزبي ميرتس وشينوي) .

وقد أدى هذا إلى أن أي حكومة إسرائيلية تريد أن تحقق شعبية ينبغي عليها أن تتبنى التطرف والعنصرية على حساب أي شيء حتى لو كان ذلك على حساب مستقبل شعبها ودولتها، وقد عبّرت هذه السياسة عن نفسها بالدفاع بوقاحة عن الاستيطان، بل وبالإعلان عن شعار أن أرض إسرائيل تضم الضفة الغربية والجولان أيضاً، إضافة إلى سياسة جديدة هي استشارة المستوطنين، وهم الغزاة الهمجيون، في أمر التسوية والسلام.

وظهرت العنصرية على الحواجز أكثر فأكثر، فقد نشر عدد من الجنود السابقين ممارساتهم المشينة على هذه الحواجز ضد الفلسطينيين، كإجبارهم على الانتظار ساعات طويلة حتى يسمحوا لهم بالمرور، وضربهم وإهانتهم، وعرقلة مرور سيارات الإسعاف التي تحمل المرضى والنساء الحوامل أو اللواتي على وشك الولادة،..

والتسلية بتعذيب الفلسطينيين، بل والمباراة بين الجنود فيمن يقوم بعمل ضدهم يضحك رفاقه أكثر، يضاف هذا إلى هدم البيوت وطرد السكان، وقتل الأطفال، وأكل الحقوق بتصديق من المحاكم الإسرائيلية الصورية، وغيرها من الممارسات التي يندى لها جبين أي جيش حتى لو كان مرتزقاً، وأي شعب مهما كان همجياً.

هل من كانوا بمثل هذه العنصرية يفكرون بانعكاسات ممارساتهم في نفوس الفلسطينيين وثقافتهم وسلوكهم الآن وفي المستقبل؟ وهل يخطر ببال هؤلاء الهمج العنصريين بأنهم سيكونون يوماً جيرانا لهؤلاء الفلسطينيين؟. بل أنهم سيكونون جزيرة صغيرة تكاد لا ترى في بحر عربي واسع تمور أمواجه حولهم، أم أنهم يعتقدون أن العرب سيبقون ضعفاء مهانين إلى أبد الآبدين، وأن الحماية الأميركية والغربية للإسرائيليين ستطول للفترة نفسها؟.

إن التطرف أعمى، والتعصب أكثر عمى، فهل يتساءل العنصريون الإسرائيليون إلى أين ستقودهم عنصريتهم؟.. أم أنهم شأن كل عنصري لا يرون لأبعد من أنوفهم؟.. يبدو أنها غاشية العمى!

كاتب سوري