ربما يندهش البعض إذا قلت إنني أشعر بشيء من الضيق وكثير من القلق عندما أسمع كلمات مثل «الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان» وما شابهها، هذه الكلمات التي ينطبق عليها في وقتنا الحالي مفهوم «الحق الذي يراد به باطل»، لقد أصبحت هذه الكلمات الآن مرادفة إلى حد كبير لمفاهيم الفوضى والتمرد والتآمر والفتن والإثارة، وتحولت إلى أسلحة فتاكة تستخدم لتدمير المجتمعات المتماسكة وتفتيتها وتجزئتها وتمهد للتغلغل والتدخلات الأجنبية.
وتحولت هذه الكلمات إلى شعارات ترفع لتبرر غزو جيوش الاحتلال والمرتزقة من محترفي القتل والإجرام للدول الأخرى لتنهب ثرواتها وتحيلها إلى جحيم وأنهار من الدماء وتلال من الخراب والدمار، كما أصبحت تستخدم بخبث وسوء نية لإثارة الشعوب ضد أنظمتها الحاكمة.
ومن المؤسف أن هذه الشعارات تجد صدى واستجابة سريعة لدى فئات محددة في الشعوب، وخاصة الشباب ومتوسطي العمر وبعض فئات من الطبقات الدنيا والمتوسطة، هذه الفئات التي يسودها عدم الرضى والإحباط ويمتلكها الطموح لتغيير واقعها بأية وسيلة مشروعة أو غير مشروعة.
كما تجد هذه الشعارات صدى واسعاً لدى الأقليات بمختلف أنواعها وأشكالها، العرقية والطائفية والإثنية والدينية وبعض الجماعات ذات الطباع والاهتمامات الشاذة عن عادات وتقاليد المجتمعات، هذه الفئات تحولت إلى أسلحة في يد الآخرين وقنابل موقوتة تهدد بالانفجار وتدمير المجتمعات في أي لحظة.
ومن المفاهيم الخاطئة والسائدة في مجتمعات العالم الثالث والرابع أن مجتمعات الغرب المتحضر تقوم على قيم الحرية والديمقراطية وضمان حقوق الإنسان، في حين أن هذه الشعارات لا تشكل شيئاً في أسس بناء ونمو هذه المجتمعات الغربية وتطورها الحضاري، بل على العكس نرى التاريخ يسجل لنا في معظم صفحاته أن هذه المجتمعات المتحضرة والمتطورة شهدت في تاريخها القديم والحديث.
ومازالت تشهد أبشع صور قمع الحريات وانتهاك حقوق الإنسان والاستبداد والاستغلال ليس فقط للشعوب الأخرى التي غزتها ونهبت ثرواتها، ولكن أيضاً لشعوب هذه الدول نفسها، وأن مفاهيم الديمقراطية المطروحة في هذه المجتمعات في معظمها زائفة وتخضع لشتى أساليب التحايل والتزوير واستغلال النفوذ الأمني والمالي والإعلامي.
وأن هذه الديمقراطية أوصلت للحكم في الغرب كثيرا من اللصوص وزعماء المافيا وتجار مخدرات والمرتشين والبلهاء وتجار الحروب والدمار، هذه المجتمعات المتطورة والمتحضرة هي التي قدمت للعالم أسوأ أشكال انتهاك حقوق الإنسان والاضطهاد العنصري، وحتى حرية الرأي التي يتصور الكثيرون أنها متوفرة ومصانة في الغرب المتحضر نراها تنتهك بشكل واضح في أكبر هذه الدول وأشهرها في الدفاع عن حرية الرأي.
والأمثلة على ذلك كثيرة قديما وحديثا ولا حصر لها، ولدينا أمثلة حديثة واضحة في دولة مثل فرنسا التي يعتبرها الكثيرون مهد الحرية في الفكر الأوروبي، نجد مفكرا كبيرا مثل روجيه جارودي يعاقب لأنه يشكك في المحرقة النازية.
وقائدا عسكريا كبيرا في البحرية الفرنسية يستبعد ويعزل لأنه شكك في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ناهيك عما يشهده المسلمون هناك الآن، وفي الولايات المتحدة مهد ومنبع التفرقة العنصرية يوجد قانون يمنع تشكيل أي حزب يساري، سواء شيوعي أو اشتراكي أو ما شابه ذلك، بينما يتحكم في الحياة السياسية هناك على مدى قرابة قرن من الزمن حزبان لا ثالث لهما ولا يختلفان كثيرا في السياسات والتوجهات، مما يمكن وصفه بديكتاتورية الحزبين.
المجتمعات الغربية تطورت ونمت وحظيت بوصف العالم المتحضر، ليس بمفاهيم وهمية وشعاراتية مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ولكن بمفاهيم أخرى واقعية وعملية، من أهمها مفاهيم العدالة وسيادة القانون واستقلال القضاء، هذه المفاهيم التي بدونها لا يمكن أن يكون هناك مجال للحديث عن أي حريات أو حقوق للإنسان، وهي المفاهيم التي نهضت بها وعلى أساسها الدولة العربية الإسلامية في عصر الفتوحات الذي ترامت فيه أطراف هذه الدولة من الشرق إلى الغرب.