كانت وما زالت أفغانستان الممر الرئيسي برا بين الشرق والغرب والشمال والجنوب. ففي التاريخ القديم، من هنا مر جنكيز خان، ومن هنا مر الاسكندر الأكبر، وفي التاريخ الحديث من هنا مر البريطانيون والروس وتبعتهم أميركا وأوروبا (الناتو) والقوى الدولية والإقليمية الأخرى.
إن الموقع الاستراتيجي لأفغانستان يشكل أساسا مهما في الصراع الدائر اليوم فيها، وما أحداث سبتمبر إلا عامل آخر في دخول القوات الدولية إلى هذا البلد لمكافحة الإرهاب، وبذلك أصبحت أفغانستان الملعب الذي تتبارى فيه قوى عالمية وإقليمية كثيرة.
وبنظرة إلى الجغرافيا السياسية لأفغانستان، نجد أن جنوبها بما فيه العاصمة كابول، تقطنه في الأغلب قبائل البشتون (14 مليون نسمة)، والذين نصف أهلهم الآخر من البشتون يقطنون الجزء الباكستاني الملاصق لأفغانستان (16 مليون نسمة)، في حين ان شمال افغانستان يقطنه خليط من الطاجيك والأوزبك والتركمان والهزارة، وبعض العرب والبشتون.
فهل ضمن سيناريوهات الفك والتركيب ما يستهدف أفغانستان فقط أم ينعكس على جارتها باكستان (إقامة دولة البشتون على حساب أراض باكستانية وأفغانية، وإقامة إقليم بلوشستان على حساب أراض باكستانية وإيرانية)؟
إن روسيا على الرغم من هزيمتها في أفغانستان إبان حقبة الاتحاد السوفييتي، إلا أنها ما زالت لاعباً مهماً في هذا البلد ولها نفوذها، وخاصة في الجزء الشمالي ذي التنوع العرقي.
والصين تحاول من خلال قوتها الاقتصادية، أن تعزز حضورها في أفغانستان، وما تشييد اكبر مستشفى في كابول من قبلهم والذي سيفتح حديثا، إلا أحد الشواهد على ذلك.
والهند تعاظمت قوتها الناعمة من خلال المساعدات التنموية لأفغانستان، ويقدر فقط حجم تمويلها لتدريب الكوادر الحكومية ب108 ملايين دولار.
وإيران الجارة القريبة، لها تأثيرها، وقد ساهمت في تمويل حملتي المتنافسين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة (كرزاي وعبد الله عبد الله) في آن واحد وبنفس المستوى، وبلغت نسبة الشيعة في منطقة هيرات الأفغانية الملاصقة لإيران أكثر من 25%، وأصبحت بذلك قاعدة انطلاق للحضور الإيراني في الملعب الأفغاني.
وأجرت كل من الهند وإيران محادثات لغرض استكشاف السبل الكفيلة بالتصدي للتهديدات التي تشكلها حركة طالبان في أفغانستان، وإلى ذلك، ركز الجانبان على ضرورة مناقشة الطرق والخطوات الهادفة إلى تفادي وصول العناصر المتشددة إلى السلطة في أفغانستان.
وأخيرا، نرى باكستان الجارة التي لها اليد الطولى في أفغانستان، لأسباب كثيرة يصعب حصرها في هذه العجالة، ابتداء من امتداد قبائل البشتون في البلدين والتي تتكون حركة طالبان في معظمها منهم، وانتهاء بالاتهامات لباكستان بعلاقاتها الوثيقة بالحركة، وان كانت تنفي ذلك.
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أنها بدأت التحقيق في تسريب موقع ويكيليكس لوثائق سرية حول سنوات من الحرب على أفغانستان، في حين بادرت باكستان إلى نفي ما ورد في تلك الوثائق بشأن دعم إسلام آباد لحركة طالبان الأفغانية.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاجتماع الأخير الذي عقد بين وزيري الخارجية الهندي والباكستاني، لم يثمر. فقد تسممت أجواء المباحثات اثر تزامنها مع بيان صادر عن وكيل وزارة الداخلية الهندية، اتهم المؤسسة الباكستانية الرسمية بالضلوع المباشر في الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها مدينة مومباي. ومن الواضح أن إسلام آباد لم تتساهل في تلقيها لذلك البيان الهندي، فاتهمت بدورها أجهزة المخابرات الهندية بالتورط في النزاعات الدائرة في إقليم بلوشستان.
وخلال زيارة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، الذي وصل مطلع شهر أغسطس إلى الهند، تطرق إلى الوضع الأمني في المنطقة، ودعا باكستان إلى قطع صلاتها مع المتشددين.
وخاطب كاميرون الباكستان بوضوح، قائلا إنها تحتاج إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد الجماعات الإرهابية والقضاء عليها، والتي تستهدف جنوب وغرب آسيا والعالم بما فيه أفغانستان، وحتى شوارع لندن. وهذا التصريح أثار جدلا في باكستان.
وللجانب البريطاني موقفه المتميز عن الولايات المتحدة الأميركية في معالجة الأوضاع في أفغانستان، في تغليب الجهود السياسية على التدابير العسكرية، إلا أن شواهد جديدة تظهر أن الولايات المتحدة تقترب من الرؤية البريطانية.
ويدرك البيت الأبيض من ناحيته أن من الاستحالة على قواته وقوات حلف «الناتو» وحكومة كابول، السيطرة على أفغانستان دون دعم إسلام آباد.
وتأتي الزيارة الأخيرة لعضو مجلس الشيوخ الأميركي ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في المجلس السيناتور جون كيري، لتروج لمقترح يحث فيه إدارة أوباما على الانخراط في تعاون مع باكستان، للتوصل إلى حل سياسي في أفغانستان.
وجاء على لسان السيناتور كيري القول «أنا شخصيا لا اعتقد أن إرسال المزيد من القوات هو الحل للأزمة في أفغانستان». ويشير السيناتور كيري، الذي لعب دورا رئيسيا في تشكيل مواقف إدارة أوباما السياسية تجاه أفغانستان وباكستان، إلى أهمية أن تشرك أيضا الصين وروسيا، مشددا على القول إن توسيع قاعدة المشاركة يمثل الضمان لإيجاد حل أمثل للأزمة في ذلك البلد.
وكشف السيناتور الأميركي عن وجود نهج إقليمي جديد تتبناه واشنطن تجاه تلك المنطقة، مشددا على أهمية إدخال بعض التعديلات والتحسينات عليه، من خلال إشراك وتقوية دور بعض الدول حسب ثقلها وحسب مقتضيات التوازنات الراهنة.
ولكن في المقابل هناك ما أعلنه قائد القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أفغانستان، الجنرال ديفد بترايوس، من أن تحقيق أي تقدم في أفغانستان يحتاج للوقت، مؤكدا رفضه الالتزام بالموعد النهائي الذي حدده الرئيس أوباما للانسحاب من أفغانستان، إذا كانت ظروف الواقع الراهن غير مواتية لذلك. من ناحية أخرى أظهرت بيانات غير رسمية، أن عدد قتلى القوات الأجنبية في أفغانستان منذ بداية الحرب أواخر عام 2001، قد تجاوز الألفين.
فهل هذه الحرب التي شنت، كما أعلن، لاستمالة قلوب وعقول الأفغان، ستفضي إلى إعادة البناء أم إلى استمرار الأزمة في أفغانستان؟!
كاتب من اليمن
