بمناسبةِ ذكرى وفاة ناجي العلي الأحد الماضي، أُطلقت مبادرةٌ من أجل نقلِ رفاتِه إلى فلسطين، وتبنّتها نقابة الصحافيين الفلسطينيين، بالتعاون مع مركز ثقافي في رام الله ووزارة الثقافة الفلسطينية ومثقفين وناشطين، وتلتقي مع رغبةِ عائلة رسام الكاريكاتير الشهير بأن لا يبقى جثمانُه في مقبرة «بروك وود» في العاصمة البريطانية، في قبرٍ بلا اسمٍ أو شاهد.

ومع كل الاحترام لهذه المبادرة الطيّبة، ومع تمنّي النجاحِ في تحقيقها، لا حَرَجَ هنا في التأشيرِ إلى أنه لا أولويةَ لهذه المسألة في ما يتعلق بتكريم ناجي، والحفاظِ على تركتِه الفنيّة، وبوجوبِ أن تنكشفَ الحقيقةُ بشأن اغتياله قبل 23 عاماً.

وأيضاً بالحاجة الملحة إلى أن تشيعَ في الحالة الفلسطينية الراهنة ثقافة النقد والسخرية من كل الخراب فيها، تمثلاً بالفكرة الأهم التي اعتنقها ناجي العلي، وماتَ عليها.

ما زال الراحل الكبير يعيشُ حولنا ومعنا، فإبداعاته، وهي فنيّة أولاً، قَبَضت على الجوهريّ في القضية الوطنية، وانشغلت بالعميق فيها، وهجست بهما.

وقد صَدَرَ في رسومِه التي قال أصدقاءُ إنها تزيدُ على 40 ألفاً، نشر منها ثمانيةَ آلاف فقط، عن قناعتِه بأن وظيفة المثقف هي أن يحتجّ، وأن يكون بوصلةً نحو الجهة الصحّ. ولذلك، لا يجوزُ الحديثُ عن تطرفٍ أو حدّةٍ كان عليهما ناجي العلي.

ومن موقعه صاحبَ خيارٍ جذريٍّ، اعتبر القبول بالقرار 242 «خيانةً عظمى»، وأنّ الطريق الوحيد إلى فلسطين يمرّ عبر استعادتها كاملة. وأن يختلفَ بعضُنا معه في التفكيرِ السياسيّ، لا يعني أن لا نجتمعَ كلنا على وجوبِ إبقاءِ منجزه الفني حياً في الذاكرة العربية، ومنها الفلسطينية على مرّ الأجيال.

وفي محلها دعوةُ الشاعر عز الدين المناصرة إلى توزيعِ رسومات ناجي على الشعب الفلسطيني، باعتبارِها موروثاً له مهماً، ولأنّ صاحبها كان في محطاتٍ مضت أبرزَ الضمائر الفلسطينية، بحسب قولٍ صحيحٍ للقاص رسمي أبو علي.

يُطمئننا أنَّ إحياءً لذكرى وفاة ناجي العلي تمّ في عدة عواصم عربية، وإن غابَ في بعضها التشديدُ على مطلبِ كشفِ قتلته ومدبري اغتياله.

فمن شديدِ الأهميّة أن لا تغيبَ هذه المسألة في متاهاتِ النسيان والتناسي، احتراماً للراحل الكبير ولأنفسنا، وتأكيداً على أنّ جهداً متجدّداً في هذا الاتجاه يحيلُ إلى وجوبِ تقصّي كلِّ الحقائقِ بشأنِ وقائع اغتيالٍ أخرى.

وكان طيّباً من «الجزيرة» أنها بثت قبل أسابيع فيلماً وثائقياً عن ناجي واغتياله (إخراج ساندرا الأبرص)، أورد تفاصيل موثقة بشأن الجريمة، وجاء على اسمي شخصين مشبوهين ربما ارتكباها لصالحِ جهةٍ ما، يميلُ كاتب هذه السطور، وكثيرون غيرُه.

أنّها الموساد، ليس فقط لأن «يديعوت أحرونوت» نشرت قبل عشر سنوات أسماءَ فلسطينيين قتلهم جهاز المخابرات القذر، بينهم ناجي العلي، بل لأنّ المعنى العميق لإبداعاتِ هذا الفنان الرائق، مقلقٌ لإسرائيل على المدى البعيد.

وليس من اللائق أبداً أن يُردّد بعضُهم، إلى الآن، أنّ ياسر عرفات متورط في الجريمة، بحجة غضبِه من ناجي، فتلك حجةٌ منقوصة تقوم على ثرثراتٍ متهافتة، وإن كان ذلك الغضبُ كبيراً.

هي الروحُ النقديةُ الجسورةُ التي كان عليها ناجي العلي تغيبُ في المشهدِ الفلسطيني العام الراهن، المصابِ بالعطن والتشوش والاهتراء والتعاسة.

فصوتُ المثقفين الفلسطينيين خافتٌ في تصليب روافع وجدانيةٍ تحمي ثباتَ القضية الفلسطينية قضيةَ تحرر إنسانٍ وأرضٍ معاً، وفي تعيينِ أوجه الغلط والرداءة في الأداء السياسي الفلسطيني الرسمي.

وأن يُقال للأعور أنّه أعور في عينه، فذلك هو التجسيدُ الأهم للمنجزِ الإبداعي والثقافي الخالد لناجي العلي. العورُ وفيرٌ وأصحابُ العورات والسوءات كثيرون في الحالة الفلسطينية المثقلة بالخراب. ليعلو، إذن، صوتٌ يتمثل روح ناجي العلي ضدّهم أولاً، قبل أن ننقلَ رفاتَه من تربةٍ باردةٍ في لندن، رحمه الله.