سمعتُ هذا التعبير حرفيًا قبل أيام في أحد اللقاءات الرمضانية، وتوقفتُ عنده قليلا، ثم ما لبثتُ أن عدتُ لمواصلة الاستماع لكلام المتحدثة، إلا أن تعبيرها بقي مترددًا في ذهني حتى نهاية اللقاء.
وبين حين وآخر أكتشف أنه لا يزال ماكثًا في ذهني، يتردد بيني وبين نفسي دون أن أشعر، والمواقف التي تمثله أو تنسجم معه تتداعى واحدًا تلو الآخر على الذاكرة المثقلة أساسا بما فيها.
كان سياق الحديث يدور حول ضرورة الإحسان مع الذات ومع كل ما يحيط بها، ومن أشكاله التي ذُكرت كان التصدق بالعواطف، ولا أعرف لماذا شعرتُ بأنها تطلب شيئا صعب المنال في هذا الزمان.
فقد صرنا في زمن أصبح إنفاق الواحد منا مبلغًا ماليًا حتى لو كان كبيرًا، على سبيل الصدقة أو ما يشبهها ظاهريًا ولا يشبهها في الجوهر، كالرياء مثلا، أمرًا سهلا ومتيسرًا، ولكن بذل العواطف للقريب قبل الغريب، ولو على سبيل التصدق بها، لم يعد لا سهلا ولا متيسرًا على الإطلاق.
لقد أصبح الجمود العاطفي هو الطابع المسيطر على عدد كبير من العلاقات الأسرية والاجتماعية، وقد أصبحت الروابط الإنسانية التي كانت مجانية و«بالجملة» في السابق، تُباع وتُشترى «بالمفرق» الآن. ولا عجب في ذلك، فقد اصطبغت بصبغة العصر المادي الذي نعيش فيه، فلا يحركنا غير المادة، ولا يوقف حركتنا غيرها كذلك.
بعض العائلات تربي أبناءها على مقايضة العواطف بالمادة دون أن تشعر، فبقدر ما سيأخذ الفرد مقابلا ماديًا سيبذل شيئا من عاطفته، ولعلنا نسمع بعض الآباء أو الأمهات حين يرغّبون أبناءهم أو بناتهم الصغار المتمنعين والمتمنعات عن تقبيلهم مثلا.
بعبارة مثل: «أعطني قبلة وسأحضر لك هدية»، أو «قبلني وسأعطيك ما تشاء».. وهكذا، يصبح الطفل في سلوكه العاطفي كالهاتف الذي لا يعمل إلا بالعملة.
القبلة بمقابل، والضمة بمقابل، واللعب معه أيضا بمقابل، وكأس الماء الذي سيجلبه لأحد والديه لا بد أن يكون بمقابل أكبر، لأن فيه مجهودًا أكبر!
البعض يقوم بشيء آخر، يجمد العواطف بدوره، وهي النتيجة الموحدة التي سيصل إليها الجميع ـ ولكن في قوالب مختلفة ـ وهو النظر إلى التعبير عن العواطف الداخلية ـ بسلوكيات ظاهرة كالحوار الودي، أو التبسم، أو اللعب والمزاح، أو غير ذلك ـ بوصفه أمرًا معيبًا، فلا يقوم الأب باللعب مع أبنائه بألعابهم، ولا يتكرم بالجلوس معهم والتحدث إليهم.
وأقصد بذلك النزول في الحوار لمستواهم هم، وليس التحدث معهم من برج السلطة الأبوية العالي الذي لا يستطيع الطفل فيه أن يتنفس حتى لا يزعج ذلك الأب أو يكدر مزاجه بصوته، ولا يستطيع أن يرد على أبيه أو يختلف معه في رأي، لأن ذلك يمس هيبة الوالد الفاضل، ويقلل من احترامه.
وتقف الحياة بين الزوجين، فيتعامل كل منهما مع الآخر بتحفظ زميلين، ويخجل كل منهما من التعبير للآخر عن عواطفه الحقيقية بكلمة أو سلوك، مع أن العواطف موجودة، ولكن الحواجز التي تحول بينها وبين التحول إلى سلوك فعلي كثيرة: منها الخجل.
ومنها العادة المكتسبة من أجواء أسرية مماثلة أصبحوا نسخة كربونية مصغرة لها، ومنها التصور السائد لدى كثيرين بأن كل واحد يعرف معزته ومقداره لدى الآخر، فما الحاجة لابتذال العواطف والتعبير عنها بهذا الشكل السافر؟
هذا جواب يتردد كثيرًا، أسمعه من المحيطين بي ممن تستوقفني طرائق تعاملهم مع بعضهم، فلا أمنع نفسي من التدخل والسؤال لأصطدم بجدار حجري من مثل هذا الرد، ونادرًا ما أنجح في إقناع أحد أصحاب وجهة النظر هذه.
بأن أي طرف مهما كان متيقنًا من تمكنه في قلب الطرف الآخر ونفسه وروحه، فإنه برغم كل ذلك في حاجة إلى التعبير الشفوي والسلوكي عن ذلك.. هو محتاج لأن يتصدق شطره الثاني بعواطفه تجاهه، أكثر من الشخص الذي لا يعرف شيئًا عن مكانته لدى الآخر.
ختاما، أذكر أن إحدى قريباتي قالت لي مرة إن ابنها الذي بدأ يكبر فجأة أمامها، يخجل منها حين تحاول أن تضمه إليها، فسألتها: هل هو معتاد على هذا السلوك منك؟ فأجابت بالنفي، والباقي واضح..
إنه لم يعتد على طريقة التعبير هذه عن العاطفة، لذلك خجل منها حين فاجأته أمه التي اكتشفت تقصيرها فجأة وأرادت أن تتخذ دور الأم الحنون.
لقد اكتشفت أنهم يعانون في منزلهم من جمود عاطفي يكاد يقض جدران البيت والأسرة، وبدأت تحاول ترميم ما تستطيع ترميمه، ولا أظنها ستتمكن من ذلك بسهولة، لأنها أدركت خطأهم متأخرة، ومع ذلك فهي قد تصل بعد عدة سنوات.
إن ألحت ولم تيأس في منتصف الطريق، وستكون سببًا في أن يُنشِئ أبناؤها وبناتها في المستقبل أسرًا سعيدة وبعيدة عن أجواء الجمود العاطفي الذي كان يغلف أجواء أسرتهم في فترة ما.. وهكذا يكون التغيير.. فلنبدأ بالتصدق بعواطفنا.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com