أبومازن في مأزق مستحكم بلا خيارات. المفاوض الفلسطيني خاسر إذ ذهب إلى واشنطن أو هو رفض. المحادثات الفلسطينية الإسرائيلية ماراثون مداه سبعة عشر عاماً دون خط نهاية يلوح في الأفق. المفاوضات ليست منبراً للتعبير الحر عن السلام. هي حلبة للصراع بين إرادات تحكمها موازين القوى العسكرية والسياسية والاقتصادية.
ممثلو السلطة يذهبون إلى واشنطن في حالة إنهاك سياسي. هم يقلعون من أرضية وطنية تفتقد الحد الأدنى من التماسك. حماس تتمترس في قطاعها ضد كل ما هو أميركي وربما ضد كل المفاوضات. الجبهتان الديمقراطية والشعبية جردتا عباس من تأييدهما للذهاب إلى واشنطن. أبو مازن لم ينتزع إجماعاً فتحويا من أجل المشاركة في المفاوضات.
الفلسطينيون الذاهبون إلى العاصمة الأميركية مكشوفون أمام عدو شرس متغطرس. هم مجردون اقليمياً من حائط يحمي ظهورهم كما من مرجعية يحتكمون إليها.نتانياهو لن يخسر شيئاً من الذهاب إلى واشنطن. على النقيض هو يراهن على تجميل صورته أمام العالم كرجل سلام عبر جولة غير مكلفة.
إدارة أوباما تستهدف تحقيق إنجاز وهمي يجمع النقيضين إلى طاولة سلام. توقيت المحاولة عقب الانسحاب المعلن من العمليات القتالية في مدن العراق يكرس الوجه الأميركي الجميل.كما الانسحاب الوهمي غير الكامل يشكل طمأنة للمعنيين بالمسألة العراقية، تأتي جولة واشنطن في الاتجاه نفسه للمعنيين بالحقوق والقضية الفلسطينية.
لولا اختلال موازين القوى لربما حققت جولة واشنطن ما يحمل المشاركين الذاهبين إليها على التباهي. المحادثات تأتي وبؤر العنف الفلسطينية الفلسطينية في خمود نسبي، عمليات الاستيطان في حالة جمود مؤقت. ثمة رغبة شعبية في ضرورة بلوغ سلام مشترك.
غير أن نتانياهو أجهض كل تلك الاحتمالات بشروطه التعجيزية. استئناف عمليات الاستيطان يعني بناء مصد إسرائيلي أمام فرص السلام. إملاء الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية يمثل حرق كل أوراق التفاوض الفلسطينية يهودية الدولة تعني طي ملفات القدس واللاجئين والحدود. على ماذا يكون التفاوض. على عرب الداخل البحث عن بدائل. نتانياهو يتمترس بميزان القوى العسكرية والسياسية. هو يتوقع تنازلات فلسطينية. أكثر من ذلك هو واثق من دعم أميركي في كل إملاءاته وتوقعاته.
أخطر ما في هذا الانسداد عودة المفاوضين بما هو ممكن وما هو متاح. الإذعان لشروط نتانياهو يمثل استبدالاً طوعياً من جانب واحد للحكم الذاتي بالتصفية الذاتية للقضية برمتها.غير أن الأكثر خطورة من هذا الاحتمال هو الارتداد إلى خلاص العنف الفلسطيني. فشل جولة كامب ديفيد في العام 2000 فجر حرب السنوات الأربع ـ الانتفاضة الثانية ـ. الإخفاق في أنابوليس في العام 2008 فتح حرب غزة.
في ظل رفض الفصائل الفلسطينية المسبق لجولة واشنطن يمكن توقع دورة عنف أكثر شراسة وأوسع اندياحاً. سبعة عشر عاماً من الصبر راكمت طبقات من الإحباط الفلسطيني قابلة للانفجار.الرهان الخاسر على إدارة أوباما يلهب عناصر الغضب على الصعيد الاقليمي. حالة السيولة العربية الراهنة تصب في جيوب وأقنية العنف الكامنة على امتداد قوس الأزمات كما عرفه بريجينسكي مستشار الأمن الأميركي الأسبق أو قوس العنف كما وصفه الرئيس الفرنسي ساركوزي.
ما من أحد يتفاءل بتحقيق حل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي في واشنطن. الفشل في تحقيق تقدم على طريق السلام نتيجة يتوقعها قطاع واسع لكنها لن تكون مقبولة لدى الجميع. اسألوا نتانياهو عن أسباب الإخفاق وتداعياته.