في ميدان البحث عن سبيل يفضي بالأديان إلى الاستواء على دور في سلام القرن الواحد والعشرين، نقترح أن يكون مبدأ التعرف هو المنطقة الوسطى التي تنأى عن وطأة الجاذبيات السياسية وشروطها في العلاقات بين الدول والمجتمعات. لعل ما يسوّغ مثل هذا المقترح، أن دوراً للأديان الكبرى في حفر الطريق نحو سلام عالمي مديد، يستلزم مثل هذه المسافة التي تمكن المشتغلين فيها من وضع منظومات معرفية وأخلاقية وعملية، لصياغة سلام عالمي يقوم على العدل.
قاعدة التعرَّف إذاً، هي نقطة الابتداء لتشييد مشروع السلام. ومن هذا النحو تتحول تلك القاعدة إلى قضية أخلاقية مركبة، ذلك أن أخلاقية التعرف تتعالى على التحّيزات والهويات، وتتصل بها في الآن عينه. فمن حيث كونها قضية متعالية، فهي تستمد غذاءها وقوتها من الاختيار الحر والواعي والمدرك لسموّ مقاصدها والنتائج المترتبة عليها. أما من حيث هي قضية متصلة بولاء كل جماعة لهويتها، فالقاعدة الأخلاقية ترى أن الولاء والتحيزّ لقضية ما هو في حقيقته ولاءٌ لقضية عادلة، ولو من وجهة نظر أصحابها.
ومن وجه إجمالي فإن الولاء أو التحيُّز هو قانون ملازم للطبيعة البشرية، مثلما هو ملازم لحاضرية الإنسان في التاريخ. إن مثل هذا الولاء أو ما نسميه بـ «التحيّز الإيجابي»، هو الذي يحمل هذه الجماعة الدينية أو تلك إلى التعرُّف على نظيرتها. وبسبب قيام التعرُّف على هذا الجمع بين المتعالي الأخلاقي والولاء للهويات الذاتية، يمكن أن ينفتح السبيل في اتجاه تواصل خلاَّق بين الأديان والثقافات على تنوعها واختلافها.
يحملنا هذا الفهم إلى القول بإمكان أن يبدأ التعرُّف من التحّيزُ الخلاَّق، إذ العمل من خارج دوائر الولاء محال ما دام العاملون المفترضون للحوار والتعرف هم أهل الأديان أنفسهم. ذلك يعني أن التحيز الذي نقصده هو ذاك الذي يطوي في داخله الاستعداد للإرسال والتلقي، وقابليات التفاعل مع الغير.
هنا يكون التعرَّف مساراً ينطلق من ذات المتحيّز ثم يمضي ليفيض بجميله على الغير، دافعاً إياه نحو إفاضة معاكسة هي أدنى إلى رد الجميل بالجميل. فعلى سبيل المثال؛ يجد المتعَّرف المسلم في الدافع القرآني ما يسدد به رحمانية الإقبال على الغير، لكي يتعرُّف إلى أحواله وأفكاره دون حذر أو تريُّب. وهو بهذا يفعل ما يؤمن به بوصفه واجباً دينياً، ويستجيب إلى ما يؤمر به، بوصفه قراراً إلهياً خالصاً.
والمؤمن المسلم يدرك بالقلب والعقل أن لمثل هذا الإقبال على الغير، قصد التعرّف الرحماني، حصائد سلام ويقين ورحمة، كما جاء في الآية الكريمة (ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم).. (فُصَّلت-34).
فالتعرُّف بمعناه القرآني، هو من أجلَّ الأفعال التي يرَّتُبها الأمرُ الإلهي على الإنسان حتى يدفع بالتي هي أحسن، ذلك أن الدفع على سبيل التقرّب من الغير، هو حركة جوهرية تستبدل الجهل بالعلم، وتجعل أرض التواصل بين الناس على نشأة الحب الرحماني والعدل. فالحب كما تقرر الحكمة العملية، كالفهم، يزداد اتساعاً وفطنة من دراسة وإدراك الحقائق الكثيرة.
إن الأديان عموماً، وأديان الوحي خاصة، مأمورة بالأخذ بفضيلة التعرّف كأولوية عظمى، سوى أن الأخذ بهذه الفضيلة لا يتقرر فقط من حيث واجبيتها الدينية، وإنما أيضاً وأساساً من تعلقها بوصف كونها قضية أخلاقية كلية. أمامنا إذاً، شرطان لبلوغ التعرُّف الخلاّق: شرط المعرفة، وشرط التخلَّق. وتوضيح الأمر، أنه كلما كان المتديًّن على معرفة أدق بموضوع الدين، يكون أكثر بصيرة في تديَّنه.
وكلما كان أكثر التزاماً بمعرفة الصراط في العمل، كان أكثر عملاً به. فالمبدأ والمعاد والصراط، إنما هي حقائق مستقلة عني وعنك وعن الآخرين، وعن هذا الزمن والأزمنة الأخرى. وموضوع الدين في المذهب الحقَّاني الواقعي، موضوعي تماماً. كما أن المعرفة الدينية فيه محورها الحق تماماً. فإذا عمل المتديَّن بما تحصَّل لديه من علم بدينه، كان كمن بلغ المطلوب في رحلة المطابقة مع الصراط. وإذ يفعل ذلك على المداومة، يكون قد أخذ فعلاً بطريق السير إلى الكمال.
والإنسان الكامل هو من استطاع أن يجعل الحقائق الأخلاقية والدينية المستقلة، عاملاً مكوناً ومسدداً لأطوار تقدمه نحو كماله. بهذا المعنى تعود الأصالة لصراط الوحي بكونه منطقة الجاذبية التي تدور حولها حركة العلم والمعرفة التي يمارسها المتديَّن لبلوغ الغاية.
وأما علمه ومعرفته فهما متعلقان بالصراط، ونسبة كل منهما إلى الآخر كنسبة تعلق الجوهر بالعرض. أو بقول آخر: إن صلة الصراط المستقيم بالمعرفة كصلة الثابت بالمتحول، من دون أن يكفَّ الأولُ عن أن يكون للثاني مصدر التغذية والإلهام والتسديد.
تسري هذه الشروط الأخلاقية والمعرفية على الأفراد، مثلما تنطبق على الجماعات الدينية الصغيرة والأديان الكبرى. فإنما هي شروط حتمية لإنجاز التمييز والفصل الضروريين بين الدين كقيمة إلهية سارية في التاريخ البشري، وبين استخدامات هذه القيمة المتعالية في ميادين الاحتدام وصراع الحضارات.
الحوار المقترح اليوم، سواء على مستوى حوار الأديان أم على مستوى الحوار الحضاري، هو حوار متوازن ومتسامح في المستوى الأول، هدفه التعرُّف على ما تنبني عليه عقائد التوحيد في المسيحية والإسلام، بهدف تعزيز قيم الإيمان والأخلاق.
وفي المستوى الثاني يهدف الحوار إلى إقامة جسور متوازنة ومتكافئة بين الحضارتين الإسلامية والغربية المسيحية، واستبعاد فكرة الهيمنة والتبعية، فضلاً عن الشعور بالخوف والريبة وعقدة التصادم. وهذا الإمكان من الحوار قائم في الواقع، خصوصاً لدى أهل الفكر والعلم في الغرب.
نعود لنسأل عما إذا كان من الواقعية بمكان إنجاز سلام عالمي أساسه الأخلاق والتعرف؟
ثمة من يرى أن الحياة الإنسانية اليوم بحاجة إلى حد أدنى من المبادئ الأخلاقية المشتركة، التي تحظى بإجماع عالمي. وأياً تكن الاجتهادات في هذا المجال، فالديانات قادرة بلا شك على توفير المصادر الضرورية لصياغة عالمية جديدة بالتعاون المستمر بين أتباعها، حتى في ظل الانقسام والصراع والعنف والتعصب. كذلك بإمكانها تقديم رؤية شاملة أو ربما عالمية، تؤكد الحاجة إلى التضامن الإنساني ومواجهة مواقف الانقسام.
وإذا ما توافرت إمكانية واقعية لتطبيقها في سياق المساعي لصياغة أخلاق عالمية جديدة، فإنه يتوجب على عالم الإيمان أن يلتمس التحديات الداخلية الجوهرية. وفي هذا المجال يستطيع المسلمون والمسيحيون الوصول إلى ملتقى استراتيجي دائم على المستوى الفكري، يقوم على احترام التغاير العقائدي واللاهوتي، وصولاً إلى بلورة إمكانية واقعية لمعالجة إشكالات النظام العالمي الراهنة.
