قررت أربع دول من منطقة الكاريبي هي: غرينادا، وأنتيغوا وبربودا، وسانت كيتس ونيفيس، وسانت لوسيا، الاسبوع الماضى سحب اعترافها ب«الجمهورية الصحراوية» التي أعلنتها جبهة البوليساريو من جانب واحد عام 1976 بدعم من الجزائر.

وقال بيان صدر في الرباط عن وزارة الخارجية المغربية إنه تم تأكيد مختلف هذه القرارات، بشكل رسمي، في بيانات مشتركة توجت الزيارات المتوالية، التي قام بها الطيب الفاسي الفهري وزير الخارجية والتعاون المغربي، لهذه الدول الأربع ما بين 9 و13 أغسطس الحالي.

وهذه الخطوة تؤكد ان تطورات مهمة تحدث بشأن الملف الصحراوي، وهي لا تعكس فقط نشاطا دبلوماسيا من المغرب كما يبدو من رحلة وزير الخارجية إلى دول الكاريبي، لكنها تشير أيضا إلى تغيير ولو طفيف في الموقف الدبلوماسي الجزائري الداعم تقليديا لجبة بوليساريو.

فكلنا يعرف أن التأييد الذي حصلت عليه الجمهورية الصحراوية واعترافات الدول بها، كانت محصلة لجهود دبلوماسية جزائرية مكثفة وناشطة، وهذا التراجع من الدول الذي تعدد خلال الأعوام الثلاثة الماضية، يعنى احد أمرين؛ إما أن الجزائر لم تعد تقدم نفس الدعم الدبلوماسي لجبهة بوليساري، وهو ما يعنى أنها لم تعد تريد أن تستفز المغرب، أو أنها تريد أن تطور علاقاتها مع المغرب وتصل بها إلى حالة التطبيع الكامل.

أما الأمر الثاني فهو أن هذا التراجع عن الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، يمكن أن يكون نتيجة لتراجع الوزن السياسي والدولي للجزائر، ولهذا الأمر منطقه ومبرراته، وفي مقدمتها ان الجزائر كانت واحدة من الدول الناشطة في تجمعات عدم الانحياز والتجمعات التي تمثل دول العالم الثالث.

لكن وزن هذه الكتل والتجمعات تقلص كثيرا، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، فضلا عن أن الجزائر نفسها فكت إلى حد ما ارتباطها بهذه الكتل لصالح علاقات أقوى وامتن بالدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي اثر سلبا على دور الجزائر في تجمعات العالم الثالث، وتاليا على الجمهورية الصحراوية وتجسد في تراجع عدد من الدول عن اعترافها بها.

وهناك من يرى أن فتور الدعم الدبلوماسي الجزائري للجمهورية الصحراوية، يرجع ليس فقط إلى رغبتها في تطبيع علاقاتها مع المغرب، ولكن إلى ضغوط تمارس عليها من قبل دول غربية تسعى إلى هذا التطبيع، لإيجاد تنسيق أمنى في منطقة شمال إفريقيا بين الجزائر والمغرب يسمح بالتصدي الفعال لتنظيم القاعدة، بعدما أصبحت منطقتا شمال إفريقيا والساحل الافريقى من المناطق التي شهدت تواجدا مكثفا لكوادر القاعدة.

وقد اختار التنظيم هذه المنطقة بالذات لوجود ثغرات أمنية نتجت عن الخلافات والصراعات بين دول المنطقة وعلى رأسها الجزائر والمغرب، ونظرا لان الدول الغربية، خاصة دول جنوب أوروبا، تتأثر امنيا بهذا التواجد وتعانى من نشاط التنظيم، فهي بالتالي تضغط على الجزائر والمغرب من اجل تحسين العلاقات، ويبدو أن بوليساريو هي التي ستدفع ثمن تحسن العلاقات.

هذه التطورات تضعف من الموقف التفاوضي لجبهة بوليساريو، لكنها لن تؤثر بصورة جوهرية على المحادثات، فالذي يؤثر على المحادثات هو موقف جزائري واضح يطلب من الجبهة أن تبدى المرونة اللازمة للتوصل إلى تسوية مع المغرب، فهل الجزائر لديها الجرأة لذلك؟

قد تبقي الجزائر المسألة الصحرواية معلقة لحين تطبيع علاقتها مع المغرب، ولكن المغرب في نفس الوقت تريد الانتهاء من المسألة الصحراوية قبل إحداث اختراق في ملف علاقاتها مع الجزائر، وهو ما يعنى أن الأطراف الضاغطة لا بد أن تتدخل لإيجاد حل لهذه المعضلة، بما يساعد على تطبيع علاقات المغرب والجزائر وإنهاء المسألة الصحراوية في نفس الصفقة.

قد تبدو المسالة الصحراوية من على السطح وكأنها مرشحة لان تدخل في مرحلة جديدة من التجميد، ولكن من يتابع هذه المسالة في العمق ومن خلال الاهتمام الدولي بها، والإطار الإقليمي الذي تدور فيه، يدرك انه من الممكن ان يحدث اختراق في المسألة الصحراوية دون مقدمات منظورة، وان يتم التوصل إلى تسوية في منطقة وسط ترضى الأطراف المعنية بها.

يؤكد ذلك أن المغرب حتى الآن لم تقرر تطبيق خطتها للحل من طرف واحد، رغم أنها لوحت بذلك أكثر من مرة، وهو ما يعنى أنها حريصة على إنهاء المسالة عبر التفاوض، فضلا عن أنها تدرك أن المجتمع الدولي لن يسمح لها بان تطبق أي خطة من طرف واحد يمكن أن تعيد التوتر مرة أخرى إلى منطقة شمال إفريقيا، ذات الأهمية الاستراتيجية للعالم الغربي.

وما تشهده المسالة الصحراوية في الوقت الراهن يمكن أن يكون حالة مخاض، تعيدها مرة أخرى إلى مسار التسوية والحل، لان العودة بها إلى المربع صفر مرة أخرى أمر مستبعد في الوقت الراهن.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com