اليوم ينسحب أغلب القوات الأميركية من العراق ليتم التمهيد للانسحاب التام في أواخر العام المقبل، ويسجل التاريخ هذه اللحظة التاريخية التي من الممكن أن نعترف بالفضل في حدوثها للرئيس الأميركي أوباما الذي وعد وصدق في وعده، فالرجل أعلن منذ أن كان مرشحاً للرئاسة أنه سيقوم بوضع حد لهذه الحرب.

التي حصدت أرواح ما يقارب 4400 جندي أميركي منذ اجتياح العراق في 2003، وذلك دون أن تحقق على صعيد المكسب أو الفوز أية نتائج تذكر، وإنما كانت تعبر عن حالة من التدخل العابر للقارات لإسقاط نظام سياسي مناوئ.

لقد أثبتت السنوات التي قضتها أميركا في العراق، أنها لم تستطع أن تنشئ البديل المنتظر، أو ترسي أسس الديمقراطية في بلد لم يستوعب مبادئها حتى اللحظة، وهذا ما عبّر عنه الخبير الأميركي ستيفن بيدل بقوله: «إن الاجتياح لم يكن يستحق عناء الكلفة الرهيبة التي خلّفها، ويدعو الناس إلى تصور ما كان سيكون عليه الخليج لو أن الاجتياح لم يحصل».

وهذا الانسحاب الذي ستحتفي به أميركا أكثر من العراق، يتركه وهو في حالة يرثى لها من جميع النواحي، فهو يرزح في ظل واقع مليء بالفساد والفوضى الأمنية والفشل السياسي وتأجج الطائفية.

لذا يمكن أن نقول إن هذا الانسحاب يأتي بعد أن قضت أميركا على وحدة العراق الوطنية، وأفرزت أحزابا وتكتلات متطاحنة لم تتفق حتى اللحظة على تسمية رئيس وزراء ينهي الوضع السياسي المنفلت، بل يمكن القول إن أميركا تنسحب وتترك كثيرا من الملفات مفتوحة دون نهاية.

وربما يأتي ذلك من فرط اليأس من إيجاد حلول ممكنة، فبات الهرب هو الوسيلة الأفضل في مثل هذه الأزمات، لذا يرى بعض العراقيين أن الوقت غير مناسب لهذا الانسحاب، بل منهم من يرفضون هذا الانسحاب جملة وتفصيلاً، حسب بعض الاستطلاعات.

خشية من عواقب تفجر الوضع في حالة الفراغ الأمني، إذ لا يزال البعض يشكك في جاهزية القوات العراقية للسيطرة على الأمن داخلياً وخارجياً، فهل هذا التبرير مقبول؟ وهل وصل العراق لحالة من الشلل الفكري والسياسي بحيث يصبح كالريشة في مهب الريح؟

بنظرة عامة على التقارير التي ترد من العراق، والتي ترصد الأحداث سياسياً وأمنياً واجتماعياً، فإن التداعيات التي سيتركها خروج آخر جندي أميركي من العراق ستأتي وخيمة ومخيبة للآمال، لأن خروج الاحتلال سيدخل احتلالاً آخر مستتراً ومتوارياً.

وربما سيشكل العراق لضعفاء النفوس البقرة الحلوب التي تدر ذهباً، فقضايا الفساد التي تفوح رائحتها بين الفترة والأخرى، تكاد تزلزل الثقة بأية حكومة جديدة قادمة.

فالعراق اليوم يعاني وبشكل صريح من صعوبة تفاهم الأقطاب السياسية من تكتلات وقوائم، فحسابات البعض في الوصول إلى سدة الحكم تنطلق من رؤيته للاستفادة من المنصب، وهذا ما يصعّب التوصل إلى لغة مشتركة بين الأطراف المختلفة، لذا فإن الفراغ السياسي الحالي يمهد لفراغات قادمة.

قد يكون بعضها قائما، فليس من المستغرب أن يشهد العراق هذا التنسيق الرفيع بين المخربين، فالقادة منشغلون في تقسيم الكعكة، والضحية دوماً يكون هو المواطن العراقي البسيط الذي لم يهنأ بالأمن والأمان منذ بدء الاحتلال.

الواقع الدامي الذي يعبر عن أزمات حقيقية في العراق أعطى أوباما دافعاً للبر بوعده، فالقوات الأميركية ومنذ أن اعتلى أوباما عرش أميركا تراجعت في القيام بمهمات حقيقية داخل العراق، وانحسر دورها بشكل كبير لتفسح المجال للقوات العراقية في التقدم والاستبسال في القيام بواجباتها الأمنية.

لأن أوباما أدرك أن شعبيته مرتبطة بدرجة كبيرة بحفظه لأرواح جنوده في العراق وأفغانستان، وهو ليس مستعداً لدفع ضريبة قيام سلفه بمغامرات فاشلة أودت بحياة مواطنيه، ولم تحقق فوزاً أو نصراً على أرض الواقع، لذا يريد أوباما أن يحتفي بهذا الانسحاب بطريقته الخاصة.

لكن أوباما الذي يميل إلى الحلول السلمية والوسطية، سيعمل على تحويل هذا الانسحاب إلى أجندة عمل من منطلق تغير المهمة في العراق، وسيبشر بأن القوات الأميركية المتبقية في العراق إنما توجد من أجل النصح والرشاد ليس إلا.

ويبدو أن الجنود المحظوظين الذين عادوا لبلدهم يوم الخميس الماضي سيثمنون خطوة أوباما، خاصة وأن الخروج من العراق في وضعه المزري أمنياً هو بمثابة ولادة جديدة بلا شك.

إذن، بات العراقيون وجهاً لوجه مع الحقيقة المرة التي حولت بلداً بين ليلة وضحاها إلى ساحة حرب لتصفية حسابات خلايا كانت متحفزة وأخرى استيقظت بعد سبات طويل، وتتناهشه النفوس المسعورة التي تحولت إلى قطاع طرق يسرقون الأحلام من قلوب المواطنين ناهيك عن أرواحهم.

فكما قال أحد الساسة العراقيين: «لن يكون هناك أمن في العراق ولا استقرار، دون مصالحة وطنية حقيقية، والخروج من خنادق الطائفية السياسية وبناء مؤسسات الدولة المهنية والمحترفة والقادرة على أداء ما عليها إلى الشعب العراقي من أمن واستقرار وخدمات لائقة، ورفع مستواه الاقتصادي، ومحاربة الفساد الإداري والمالي المستشري».

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com