هل كانت معركة بناء مركز إسلامي يضم مسجداً بالقرب من موقع هجمات 11 سبتمبر خالصة لوجه الله، أم فعلًا مدبراً استهدف استفزاز شيطان الكراهية للمسلمين في أميركا وإطلاقه مجدداً من عقاله؟

لن أناقش ما إذا كان ذلك حقاً بمقتضى الدستور الأميركي من عدمه، فأميركا الذي سادها خطاب غوغائي معاد للإسلام خلال العقد الأخير لم تعد تحفل كثيراً بسماحة النصوص المكتوبة، وإنما انتهزت كل فرصة للالتفاف عليها بذريعة الأمن ومكافحة الإرهاب، لكن لنقرأ الفعل من نتائجه التي قاد إليها حتى الآن وأهمها:

* دعت منظمة تطلق على نفسها «أوقفوا أسلمة أميركا» إلى مؤتمر حاشد بنيويورك يوم 11 سبتمبر المقبل للتنديد بالإسلام، ويكفي أن نطالع قائمة المدعوين التي تضم المتطرف الهولندي غيرت فيلدرز الذي يدعي أن لديه مهمة وهي تحذير أميركا من الإسلام، ونيوت غنغريش رئيس مجلس النواب السابق والجمهوري المتطرف، وجون بولتون السفير الأميركي السابق في الأمم المتحدة، فضلاً عن مؤسسي المنظمة وهما متطرفة يهودية تدعى باميلا جيلر وأصولي مسيحي يدعى روبرت سبنسر.

جيلر هذه لها رصيد كبير في معاداة الإسلام، فقد ادعت يوماً أن هتلر والنازية استلهموا أفكارهم وأفعالهم من ديننا الحنيف، وأيدت ما حدث في البوسنة من إبادة جماعية للمسلمين، كما وقفت في مواجهة بناء العديد من المساجد في الولايات المتحدة وهاجمت بعنف موقف أوباما من بناء المركز الإسلامي في مانهاتن قائلة: إنه يغفل تاريخ الإسلام في بناء المساجد على الأماكن المقدسة للمهزومين، مدعية أن المسجد الأقصى المبارك بني على المعبد اليهودي كدليل على انتصار الإسلام.

؟ كنيسة مغمورة في ولاية فلوريدا تدعى «دوف وورلد أوتريش سنتر» دعت إلى يوم عالمي لحرق القرآن في الذكرى التاسعة لهجمات 11 سبتمبر، مدعية أن دعوتها هذه هدفها مواجهة شرور الإسلام والوقوف بوجه ما تصفه بالإسلام الشيطاني.

راعي هذه الكنيسة يدعى تيري جونز، وسبق أن ألف كتاباً عنوانه الإسلام هو الشيطان، ويسوق قمصاناً كتبت عليها نفس العبارة، وهو يؤكد أن اليوم العالمي لحرق القرآن هدفه إبلاغ رسالة مفادها أن الإسلام وشريعته غير مرحب بهما في الولايات المتحدة.

* نشبت حملات حرب إعلانات دينية تستهدف الإسلام وشريعته السمحة بالهجوم وتدعو المسلمين للارتداد عن دينهم، وغطت هذه الإعلانات مئات الحافلات العامة التي تجوب نيويورك وميامي وسان فرانسيسكو لإثارة الفزع من الإسلام.

كما نشطت حملات تدعو لمنع وقف بناء المساجد في أنحاء الولايات المتحدة كافة، وادعاءات بأن مسلمي أميركا يرغبون سراً في استبدال دستور الولايات المتحدة بأحكام الشريعة الإسلامية، ومن ثم فإن هناك ضرورة لمراجعة القيم الأميركية الديمقراطية التي تسمح للمسلمين بحرية دينية، وذلك لسحب البساط من الأديان التي تشكل تهديداً، والمقصود بالطبع هو الإسلام.

لاشك أن هنالك أحزاب وجماعات مصالح تحاول توظيف ما يجري والقفز لجني ثمار الحالة الشعبوية المناهضة للإسلام والتي تشتعل بين حين وآخر، فهنالك الحزب الجمهوري الذي يحاول استعادة السيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي (نوفمبر المقبل).

وهناك المجمع الصناعي العسكري الذي ينفخ في صورة الإسلام باعتباره عدواً داخلياً وخارجياً حتى يحافظ على تماسك قوة البطش الأميركية، وهناك المسيحيون الصهاينة المتحالفين مع اللوبي اليهودي، بل إن هناك مسلمين مرتدين يتكسبون من الحديث عن ضرورة مقاومة بناء المساجد في لقاءات عامة تعقد أغلبها بالكنائس المتطرفة وربما يكون أكثرهم فجوراً وفاء سلطان ووليد شويبات ومنوشهر باخ.

ترى وعلى افتراض حسن نية القائمين على مشروع قرطبة، هل كانت الدعوة إلى اقامة غرفة للصلاة بلا مئذنة في مانهاتن تستحق إخراج مارد الكراهية من جحره مرة أخرى؟، في الأمر شك كبير.