أخيراً نجح المبعوث الأميركي لعملية السلام جورج ميشتل في الحصول على موافقة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للانخراط في مفاوضات مباشرة، يفترض أن تبدأ مع بداية الشهر المقبل في واشنطن مع بعض المظاهر الاحتفالية التي ستشارك فيها مصر والأردن، بالإضافة إلى أطراف الرباعية الدولية.
على أن هذا النجاح لا يرتقي إلى مستوى الإنجاز الذي يستحق الادعاء بأن ثمة ما يدعو للاحتفال، فلقد أمضى ميتشل نحو عام ونصف منذ أن بدأ العمل من جل استئناف المفاوضات وإحياء عملية السلام المتعثرة.
وكان بوسع الولايات المتحدة أن تختصر الوقت والجهد وتحقيق إنجازات حقيقية لو أنها تتمتع بدور الوسيط المستقل والنزيه، أو حتى لو أنها تتمتع بالحد الأدنى من الموضوعية وقوة الدافعية حتى لو أن ذلك سيخالف طبيعة ومصالح حليفتها إسرائيل.
الأشهر التي انقضت منذ تولي ميتشل لمهماته لم تذهب هدراً، فبقدر ما أنها أظهرت مدى عمق الرفض الإسرائيلي للسلام، فإنها أيضاً أظهرت مدى ضعف العاملين الفلسطيني والعربي، مما أدى إلى تبديد الآمال بإمكانية تحقيق السلام في هذه المنطقة.
الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي يذهبان إلى المفاوضات المباشرة رغماً عنهما، وكل له أسبابه المختلفة. لقد سعى الطرف الفلسطيني إلى الحصول على بعض الضمانات التي تساعده على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
وهو في وضع مرتاح نسبياً خصوصاً في ظل معارضة فلسطينية واسعة قوية ومتربصة، ورافضة لكل خيار المفاوضات، غير أن القيادة الفلسطينية اضطرت للموافقة على المفاوضات المباشرة بدون أن تحصل على شيء، فلا إسرائيل تبدي استعداداً لوقف الاستيطان أو متابعة المفاوضات من حيث توقفت، أو الاعتراف بحدود الرابع من حزيران عام 1967، ولا الولايات المتحدة تبدي استعداداً لتقديم مثل هذه الضمانات.
وفي الأخير، أوجدت القيادة الفلسطينية لنفسها وللآخرين مخرجاً، حين التجأت إلى لجنة المتابعة العربية، التي وافقت على الانتقال للمفاوضات المباشرة، قبل أن تدخل الرباعية الدولية على الخط لتجتر مواقف سابقة.
كانت قد أعلنتها بعد اجتماعها الأخير في موسكو، لم تقبل بها إسرائيل، لكنها شكلت غطاء للفلسطينيين، الذين وقعوا تحت ضغوط أميركية وغير أميركية، أما بالنسبة لإسرائيل، فهي فعلت كل ما يؤدي إلى استفزاز الفلسطينيين ودفعهم باتجاه تحمل المسؤولية عن تعطيل الجهد الأميركي، فهي ترفض أي شروط مسبقة يمكن أن تؤثر على سياساتها الاستيطانية والتهويدية، بمعنى آخر لا تجد إسرائيل ما يجبرها على تغيير سياسة الاستيطان وتهويد القدس.
ورفض أي سلام يؤدي إلى إنهاء احتلالها للضفة الغربية والقدس الشرقية، وهي في ذلك، إنما تعكس طبيعة الائتلاف الذي يحكمها اليوم برئاسة المتطرف بنيامين نتنياهو.
هكذا فإن الطرفين يذهبان إلى المفاوضات، بناء لرغبة الولايات المتحدة، وبدون الحد الأدنى من الثقة بينهما، وفي غياب البيئة المناسبة للتفاوض، وكل ما تجود به قريحته من عوامل لتبرير مواقفه، ولإحراج الطرف الآخر.
قد يبدو الطرف الفلسطيني أكثر إخلاصاً لعملية السلام، ذلك أنه لا يملك خيارات أخرى، وقد أثقلته السنوات السابقة بأعباء وقيود يصعب الفكاك منها، لكن هذه المرونة وهذا الإخلاص، مسيج بجملة من الثوابت التي لا يستطيع تجاوزها، ولا يمكن لأي طرف أو شخص فلسطيني أن يهبط بها إلى الدرجة التي تجعل إسرائيل تقبل بها. إسرائيل غير مستعدة أبداً للبحث في موضوع عودة اللاجئين لا يحسب القرار الدولي 194، ولا وفق المبادرة العربية التي تحدثت عن حل عادل ومتفق عليه لهذا الموضوع.
إذا كانت إسرائيل غير مستعدة إطلاقاً لبحث موضوع عودة اللاجئين، فهل يمكن أن تقبل القيادة الفلسطينية، التنازل عن هذا الحق، وهل تملك القيادة الفلسطينية الراهنة أو أي قيادة صلاحية التنازل عن هذا الحق؟.
وترفض إسرائيل نتنياهو مناقشة موضوع القدس لا على أساس القرارات الدولية التي لا تزال تتعامل معها (القدس) على أنها جزء من الأراضي المحتلة عام 1967، ولا على أساس الموقف الفلسطيني الذي يتمسك بالقدس الشرقية وليس بالمسجد الأقصى فقط عاصمة للدولة الفلسطينية.
إن الموقف الإسرائيلي من موضوع القدس، يبلغ حد التشنج، فالائتلاف الحكومي يمكن أن ينفرط عقده عند هذه النقطة، إذ أن حركة شاس، وحزب إسرائيل بيتنا الذي يتزعمه أفيغدور ليبرمان، وهما تشكلان العمود الفقري للائتلاف الحاكم، يعتبران القدس الموحدة، عاصمة أبدية لإسرائيل كخط أحمر لا يسمحان بتجاوزه، ودونه بقاء الحكومة.
إسرائيل مستعدة لتحدي العالم كله، فيما يتعلق بسياساتها التهويدية للقدس، فإذا كانت غير مستعدة لقبول أي تسوية تهدد سيطرتها على القدس كاملة، فهل يمكن للقيادة الفلسطينية أو أي قيادة فلسطينية أن تقبل هذا المنطق الإسرائيلي؟ وفي الأساس هل تملك أي قيادة فلسطينية صلاحية التنازل عن قضية بمستوى قضية القدس التي تتخذ أبعاداً عربية وإسلامية وليس أبعاداً فلسطينية فحسب؟!.
وترفض إسرائيل الاعتراف بحدود الرابع من حزيران عام 1967، كحدود للدولة الفلسطينية، وقد أكد ذلك بنيامين نتنياهو حين عرض الموقف الإسرائيلي بعد موافقته على المفاوضات المباشرة.
يقبل الفلسطينيون مبدأ تبادلية الأراضي بما يعني التنازل عن أراضٍ تصادرها إسرائيل لصالح الاستيطان مقابل الحصول على أراضٍ مساوية لها في القيمة والمساحة، ولكن هذا القبول يستند أساساً إلى اعتراف إسرائيلي بحق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، وهو ما ترفض إسرائيل التسليم به، فهل يمكن للقيادة الفلسطينية، أي قيادة فلسطينية مجاراة الطلبات الإسرائيلية بشأن الحدود والأراضي، هذه الطلبات التي تصل إلى مستوى تجريد الفلسطينيين من نحو نصف أراضي الضفة الغربية؟
هل يمكن بعد ذلك الحديث عن إمكانية تحقيق تسوية، أو تحقيق رؤية الدولتين خلال العام الذي تحدثت عنه وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، حين زفت من واشنطن خبر قبول الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي الذهاب إلى مفاوضات مباشرة؟
ما هي القصة إذاً، وهل تجهل الولايات المتحدة كل هذه الحقائق؟ وإذا كانت تدرك مدى صعوبة تحقيق تسوية مقبولة لهذا الصراع المزمن، فهل هي تجازف بهيبتها ومكانتها، أم أنها مستعدة لتغيير أسلوبها في التعامل مع الطرف الإسرائيلي خصوصاً وطالما أنها نجحت حتى الآن في ابتزاز الموقفين الفلسطيني والعربي؟
في الواقع، فإن كل العناصر التي تتصل بموضوع المفاوضات، غير جاهزة لإنجاح مسيرة السلام، فلا الفلسطينيين قادرين أو مستعدين للهبوط إلى ما يمكن قبوله إسرائيلياً، ولا إسرائيل مستعدة لتقديم ما يمكن أن يقبل به الفلسطينيون.
أما على مستوى الأطراف الأخرى فما لم تغير الولايات المتحدة وأطراف الرباعية الدولية أسلوب تعاملها مع إسرائيل، فإن المفاوضات المقبلة لن تكون أكثر من مفاوضات عبثية لا طائل من ورائها.
كاتب فلسطيني
