عندما وافقت روسيا على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1929 بشأن العقوبات على إيران، انهالت التصريحات الحادة من جانب المسؤولين الإيرانيين ضد موسكو، والتي وصلت إلى حد اتهام الرئيس نجاد لروسيا بخيانة إيران من أجل مصالح خاصة مع واشنطن.
واعتبر الكثيرون أن العلاقات الروسية الإيرانية دخلت في منعطفا خطيرا، وبعد أقل من شهرين بدأ التشغيل الفيزيائي لمحطة بوشهر الكهرونووية الإيرانية، بعد وصول الوقود النووي الروسي لها يوم السبت الماضي.
وذلك وسط مشاهد احتفالية كبيرة تركزت فيها التصريحات على الإشادة بالتعاون الروسي مع إيران. ومن البديهي أن هذا الأمر لم يأت فجأة، ولم يتقرر بعد صدور قرار العقوبات، بل تم الإعداد له مسبقا منذ نحو عام مضى، وبالتحديد في سبتمبر الماضي.
روسيا تتولى العمل في البرنامج النووي الإيراني منذ توقيع اتفاق التعاون النووي بين البلدين عام 1992، وذلك في أعقاب تخلي الشركات الغربية عن العمل في هذا البرنامج الذي كانت تتولاه شركات ألمانية وفرنسية وأميركية.
وشكل دخول الشركات الروسية للسوق النووية الإيرانية صدمة للشركات الغربية، ليس فقط لكونه دعما للنظام الإيراني وتحديا للحظر الأميركي، ولكن لسبب آخر مهم وحيوي، وهو المنافسة المشتعلة في الخفاء في سوق التكنولوجيا النووية السلمية في العالم، هذه السوق التي يرشحها الكثيرون لتحل محل السوق النفطية في المستقبل القريب، في ظل النفاد التدريجي لاحتياطيات النفط العالمية، والسعي الدؤوب للبحث عن مصادر أخرى للطاقة تعد الطاقة النووية أفضلها وأسهلها في الاستهلاك.
وما يخشاه الغرب أن روسيا تملك من الإمكانيات ما يعطيها الحق في المنافسة على الريادة في هذا السوق، حيث لديها التكنولوجيا الحديثة والرصيد الهائل من الوقود النووي، كما أن عروضها تتميز بالتكلفة المنخفضة كثيرا عن الغرب، هذا إلى جانب أن عروض روسيا قابلة للتنفيذ في أي مكان في العالم لعدم ارتباطها بأية دوافع سياسية، بعكس الشركات الغربية التي تواجه حظرا للعمل في العديد من الدول المغضوب عليها من واشنطن وغيرها.
تعرضت روسيا لضغوط غربية كثيرة من أجل التخلي عن التعاون مع إيران، ولم تخضع ولم تتراجع، وذلك تأكيدا لسياستها المبدئية في تنفيذ التزاماتها وتعهداتها، وأيضاً ليقينها بأنها هي ذاتها مستهدفة في هذا الصراع لإبعادها عن المنافسة في السوق النووية السلمية العالمية.
ولكن التصعيد الحاد في التصريحات من قبل القيادة الإيرانية على مدى السنوات الست الماضية، والذي يخدم في الأساس أهدافا داخلية أكثر منها خارجية، لم يدعم موقف روسيا في الدفاع عن البرنامج النووي الإيراني رغم يقينها بسلميته، الأمر الذي دفع روسيا إلى تغيير ظاهري في مقاعد اللعبة، بحيث انضمت «شكلاً» للحملة الغربية على إيران في الانتقادات، ووافقت على قرار العقوبات الدولية رقم 1929.
واستجابت طهران على الفور لهذا التغيير لتشن حملتها الانتقادية لروسيا، ولكن في إطار شبه متفق عليه، والدليل على ذلك أن المسؤولين الإيرانيين لم يوجهوا أي انتقاد للصين التي وافقت أيضاً على قرار العقوبات، وشاهدنا الرئيس نجاد الذي وصف موقف روسيا بالخيانة، يتوجه في اليوم التالي لصدور قرار العقوبات إلى الصين لحضور افتتاح الجناح الإيراني في معرض شنغهاي.
لقد نجحت موسكو في إدارة دفة الأمور لصالحها، حيث اكتسبت بموافقتها على العقوبات مصداقية دولية، وأضاعت على واشنطن فرصة توجيه اتهامات لها وتشويه سمعتها في السوق النووية العالمية، وفي نفس الوقت فرضت نفسها بقوة وثبات على السوق النووية الإيرانية، وبتأييد دولي من واشنطن نفسها التي خرجت منها التصريحات تؤيد تشغيل محطة بوشهر بالوقود النووي الروسي، بل أكثر من ذلك خرجت تصريحات في واشنطن والغرب تعتبر روسيا ضمانة أساسية لسلمية البرنامج النووي الإيراني.
ورغم احتفال موسكو وطهران بالفوز والنجاح في هذه الجولة، إلا أن اللعبة ما زالت مستمرة، والجولات القادمة قد تكون أصعب بكثير.