لمّا قال طارق عزيز، قبل أيام من محبسِه، لصحيفة الغارديان، إنّ على باراك أوباما أن لا يتركَ العراقَ فريسةً للذئابِ، كتبَ معلقون في غير جريدةٍ عربيّةٍ أنّ المسؤول العراقي السابق يطلبُ إبقاءَ الاحتلال الأميركي في بلادِه، وعدمَ إنفاذِ الانسحابِ الموعود، وهو البعثيُّ العتيق والمعاونُ السياسيّ لصدام حسين.

والصحيحُ أنّ الرجل رمى أوباما بأنّه منافق، وخاطبَه بأنّه عندما يرتكبُ خطأً يجبُ أنْ لا يغادرَ حتى يُصحِّحَه. ما يعني أنّه لا يجوزُ أن تتخلصَ الولاياتُ المتحدة من عبءِ العراق عليها، بعد أن أنهكتْه وأدمتْه، من دون أن تُسدّد لأهلِه ما عليها قبل أن تفرَّ منه.

وبعد مقتل 4415 من جنودِها في العراق وجرح 31882 في سبع سنوات حتى نهاية الشهر الماضي، وبعد إنفاق 571 مليار دولار على «مهمتها» في هذا البلد، البادي أن الولايات المتحدة تفتّش عن صيغةٍ أخرى، مغايرةٍ للاحتلال المباشر، للتعامل مع حالة العراق الذي بدأ تخفيض القوات الأميركية فيه من 170 ألفاً إلى 50 ألفاً.

تمهيداً لمغادرة هؤلاء في نهاية العام المقبل، وإبقاءِ «جيشٍ من المواطنين الأميركيين»، بحسبِ تعبير جو بايدن، يكونون خبراءَ ومستشارين ومقاولي أمن.

ولا حاجةَ كبيرة لمعاهد الأبحاث الاستراتيجية، لنعرفَ أنّ النتيجةَ العامّة لسنوات الاحتلال العسكريِّ السبع، سيئةٌ جداً لكل من الولايات المتحدة والعراقيين، بعد كلِّ ذلك الإنفاق من الدم والمال، وبعد مقتلِ أكثر من 97 ألف عراقي.

لا شطَطَ في القول إنَّ العراق الراهن ساحةُ نفوذٍ إيرانيّة، وتُربةٌ لشياطينِ الإرهابِ من «القاعدة» وغيرِها، وملعبٌ لتفاهةٍ واسعةٍ يمارسُها السياسيون العراقيون، حين يخوضون فيما بينهم صراعاتٍ على الحكم المنقوص، فلا يتمكنون في خمسة شهور (مثلاً) من تشكيل حكومةٍ، بقّ البحصةَ إياد علاوي لمّا قال إن واشنطن تريد رضى طهران عنها.

إنهم الذئاب، إذن، يسرحون هناك، في صورتِهم نهّابين وطائفيين وسياسيين ومخبرين ولصوصِ آثارٍ وفاسدين وقتلة. والوجاهةٌ وفيرةٌ في رأي روبرت فيسك في كتابتِه أنّ الجنود الأميركيين الذين انسحبوا من العراق، جلبوا الطاعون إليه.

يُغالبُ هذا البلد هذا الحال بعد سنواتٍ من قسوةِ صدام، ولا يبدو أنّه ينعطفُ مع الانسحاب الأميركي إلى حالٍ مغاير، فينعمُ أهله بالأمن والأمان، وبالديمقراطية والحرية الحقيقيتين، وبالوحدة بين جنوبه وشماله، وبالعيش المشترك بين تنويعاتِه وإثنياته.

وهذا نوري المالكي يؤشر إلى بعضِ خرابٍ محتمل، حين رمى تشكيلةَ خصمِه إياد علاوي بأنها «سُنيّة»، وإلى ما في هذا التخريفِ من عدم دقة، فإنّه يستبطنُ تعييراً رديئاً، ينتعشُ مثلُه في العراق لدى معظم تكويناته السياسية، منذ ارتكب الاحتلال كارثة حلّ الجيش، لتصنيعِ جيشٍ جديدٍ لعراقٍ جديد.

إذا صحّ ما قرأناه عن أنّ راتب النائب العراقي 28 ألف دولار شهرياً، مع ألفي دولار في دفعتين كل سنة، وأنّ هذا الراتب يستمرُّ ثماني سنوات، ولو فقد النائب مقعده في البرلمان التالي! فذلك يؤشر إلى «نعيمٍ» استثنائيٍّ يحظى به ورثةُ الحكم البعثيِّ، من تفاصيلِه أن زوجاتِ النوابِ المحترمين وأولادَهم يُعطون جوازاتِ سفرٍ دبلوماسية لاثني عشر عاماً.

وإذ هي جلستان فقط عقدهما البرلمان الحالي، مدتهما معاً ثلاثون دقيقة، لا يصيرُ مستغرباً أن يستجمَّ ثلثُ أعضائِه في الخارج هذه الأيام. أما رئاساتُ الجمهورية والحكومة والبرلمان فمخصّصاتها 8 .1 مليار دولار، وأصحاب هذه المناصب غيرُ مطالبين بتقديمِ كشفِ حسابٍ لأيِّ أحد عن إنفاقِهم...

هذه بعضُ تفاصيلَ موجزةٍ عن منافعِ الاشتغال بالسياسة والطائفية والإدارة في العراق الراهن، الذي يوصفُ الفسادُ فيه بأنّه أسود، من فرط تفشّيه.

هما سؤالان؛ ما هو حالُ العراق بعد الانسحاب الأميركي؟ هل أصابَ طارق عزيز أم أخطأ لمّا خافَ على بلادِه من الذئاب؟