هل أصبح الوقت أكثر قِصَراً من السابق؟ أم أنه الإحساس بالوقت هو الذي تغير، وأصبحنا نشعر به أقل من حاجتنا له، وأن الساعات لم تعد في امتدادها الزمني كما كانت في السابق، حتى إن كانت عددياً لا تزال كما هي ستينية الثواني والدقائق؟

أذكر أنني سمعتُ جدتي مرة وهي تقول لأمي إنه سيأتي يوم لا تكادون تنتهون من صلاة حتى يؤذن المؤذن لصلاة الفرض الذي يليها، وكنت صغيرة جداً حينها، ولم أفهم الكلام أو المغزى من الكلام جيداً، فاستغربت وتساءلت بيني وبين نفسي: ماذا تقصد جدتي بذلك؟

ولم أصل حينها لإجابة، ولكني منذ عدة سنوات بدأتُ أسترجع كلامها كثيراً، وفي كل مرة أسترجعه بإحساس أكثر إلحاحاً بأننا قد وصلنا لذلك الزمان الذي كانت تشير إليه.

كلما شعرتُ أنني لا أستطيع أن أسيطر على الوقت، وأن أكون أنا المتحكمة فيه وليس هو المتحكم بي، أتذكر كلامها جيداً، لأنه قد أصبح أكثر تفلتاً من أن يُسيطَر عليه، خصوصاً في السنوات الأخيرة.

لا يتعلق الأمر بطول الليل والنهار أو قِصَرهما من فصل إلى فصل، فمن الطبيعي أن يكون الوقت في النهار طويلًا وفي الليل قصيراً صيفاً، والعكس صحيح، لكن الذي يحدث الآن هو أننا في قلب أيام الصيف، ومع ذلك لا نكاد نجد وقتاً لا في النهار «الطويل» ـ ولا في الليل «القصير» بطبيعة الحال ـ كي نفعل أي شيء، أو ننجز ما نخطط لإنجازه في يوم أو أسبوع أو حتى أكثر أحياناً!

هذا ما أشعر به، خصوصاً في هذه الأيام الرمضانية التي يزداد فيها الوقت «تفلتاً» دائماً، على نحو متسارع كلما اقتربنا من نهايته، ولكنه ليس إحساساً خاصاً بأيام هذا الشهر الفضيل فقط، بل هو إحساس متراكم منذ مدة، وكلما عبرتُ عنه لأحد أجده يشاركني الشعور ذاته حيال هذا الموضوع.. موضوع الوقت المتفلت، غير القابل للسيطرة.

أحياناً يبدو لي أننا أصبحنا نعيش خارج حيز الوقت، وكأننا ـ فعلياً ـ لا نعيشه.. أو لا نعيش فيه! ويزداد هذا الاعتقاد ترسخاً لدي كلما قابلتُ أحداً وبدأ يشكو من عدم وجود وقت لأي شيء، وأكاد أقرأ الفاتحة على روح هذا الوقت «الفقيد» الذي أصبحنا نفتقده حقيقة.

ونشعر بقيمته أكثر من أي «وقت» قد مضى، بعدما مضى، لكني أُمسك في اللحظة الأخيرة على أمل أن يكون مفقوداً، وليس فقيداً، وبهذا أعطي لنفسي الفرصة لأن أعيش حالة انتظار وترقب لعودة هذا المفقود على الأقل، بدلاً من أن أعيش حالة يأس من عودته إن كان فقيداً.

ومع تزايد إحساس بعض الناس بقيمة الوقت، وبتمنعه عليهم، نجد بعضهم الآخر لا يكاد يشعر بأي أزمة معه، أو بعبارة أدق مع عدم توافره لهم، بل إنهم يعانون من «فائض» وقت عندهم، ولا يعرفون كيف يصرفونه، أو من الأفضل استخدام عبارتهم المعتادة: كيف «يقتلونه»، فهو مصدر أزمة لهم على نحو معاكس لأولئك الذين يعانون الحرمان منه.

وانقسام الناس هذا إزاء الوقت ليس أمراً جديداً، ولكن المستجد هو أن «الإحساس» بالوقت بدأ بالفعل بالتناقص شيئاً فشيئاً.. وأنا لا أزعم أن الدقيقة أصبحت أقل من ستين ثانية، أو أن الساعة أصبحت تسعاً وخمسين دقيقة مثلا بدلا من ستين.

ولكن الإحساس بالثانية والدقيقة والساعة لم يعد كما كان سابقاً، لذلك أصبح بعض الناس أكثر معاناة من عدم وجود الوقت وتوافره لهم لإنجاز كل ما يريدون إنجازه في أيامهم التي هي عمرهم، لكن المشكلة في تلك الفئة الأخرى التي لم يلامس إحساسَها أيُّ تغيير بخصوص تسارع مضي الوقت، ولا تزال الرغبة في «قتله» قائمة لديهم، لأنه لا يزال يفيض عن حاجتهم كما كان دائماً.

ربما من الأفضل العودة إلى نظام الحياة التقليدي الذي يقوم على نبذ سهر الليل واقتناص البكور، فقد «بورك لأمتي في بكورها» كما قال صلوات الله وسلامه عليه منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة عام، وكان كل شيء يسير في مساره الطبيعي، وبعدما وصلنا إلى عصر لا يعترف لا بحدود زمان ولا مكان، أصبحنا نشعر بأننا نعيش خارجهما بالفعل، وأننا في اللامكان واللازمان.

لستُ أدعو للعودة إلى الوراء، ولكننا من الممكن أن نستعين بأفكار تقليدية، إن كانت أكثر قدرة على إبقاء خطواتنا متجهة نحو الأمام بثبات، فهذا أفضل من أن نعيش حياة حديثة بأفكار حديثة غير قائمة على أي أساس علمي أو عرفي، ولكن خطواتنا تتجه بنا رغماً عنا وعن أفكارنا «التقدمية» نحو الوراء.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com