لما دخل المناضلون الفلسطينيون الأرض المحتلة أول مرة في ظل أوسلو ـ راهن البعض على تجربة عربية حديثة ومشرقة في إدارة البلاد والعباد.

خلفيات العائدين فتحت آمالاً على بداية فلسطينية من حيث انتهى العرب ـ على الأقل ـ ـ إن لم يكن العالم. العائدون ساسة محترفون، يدركون بالمعايشة فضائل ورزايا الدولة العربية. من هنا جاء الرهان على «دولة» فلسطينية ديمقراطية وقيادات متجردة غاياتها العدالة الاجتماعية لشعب يكابد الاحتلال.

على عتبات سلطة الحكم الذاتي سقطت الأقنعة وكل الشعارات الزاهية ومن ثم الرهانات المتفائلة. التجربة الفلسطينية بدأت من تحت الصفر العربي. القدوة السياسية المأمولة انغمست في شهوة السلطة والثروة.

الدولة المرتجاة من وهج الثورة تبددت رماداً. الفلسطينيون فقدوا في فجر التحرير الكاذب فرض الوحدة الأعظم في النضال السياسي والمسلح.تحت سقف السلطة انكفأ الفلسطينيون داخل فصائل فقدت تماسكها البنيوي والفكري. التشظي ضرب مؤسسة السلطة وأرضها.

عندما وقّع اليمنيون اتفاق الوحدة راهن بعض العرب على تجربة قُطرية حديثة تشكل نواة قومية جاذبة. تلك غاية يمكن بلوغها بتخطي اليمنيين الفاصل الوهمي بين الشمال والجنوب تحت مظلة تنمية شاملة تلج بالجنوبيين والشماليين يمناً سعيداً. ظرف الوحدة اليمنية الزماني طرح مقاربة مفترضة بين صنعاء وبرلين، ربما ظالمة.

مع مضي سني التجربة اليمانية تراكم الإحباط. الوثائق لا تبني أوطاناً. الوحدة لم تستوعب الشطرين. القبيلة صارت أشرس سعاراً لتكاد تلتهم الدولة نفسها. جيوب التمرد القبلي والطائفي تهدد بتقسيم اليمن إلى أكثر من شمال وجنوب. التجربة اليمانية ضربت رهاناتنا العربية الممكنة في تجاوز التجزئة القومية نحو التكامل الإقليمي المتاح.

حينما استولى الترابيون على السلطة في الخرطوم راهن بعض الإسلاميين على تجربة «سنية» تنسج أنموذجاً عربياً يحاكي التجربة الماليزية إن لم يتفوق عليها. دولة تستظل بالإسلام في سماحة تصهر التنوع الديني والإثني والثقافي.ماليزيا ذوبت الماليين والهنود والصينيين والمسلمين والمسيحيين والكونفوشسيين والبوذيين في بوتقة اقتصادية ناهضة دونما احتراب أو تصادم.

على نقيض النمر الآسيوي جاءت التجربة العربية مسكونة بالرزايا إذ لم تكتف بضرب خصومها، بل أمست قطة أكلت بنيها. من الممكن الجدل بغية دفع الاتهامات بالفساد والهدر والافتقار للحكمة والعلم. من المستحيل نفي التهديد بانشطار أكبر بلد إفريقي إلى بلدين بينما الاقتتال يستعر في جنب آخر. عند هذا المنعطف سقطت رهانات عربية في مضمار مغاير.

بعدما عاد الساسة العراقيون من المنفى مع دخول القوات الأميركية بين الرافدين، راهن بعض على تجربة ديمقراطية تغري بالتطبيق على صعيد قومي. الحال العراقي لم يسقط فقط الرهانات بل أحدث فاجعة.

الملهاة السياسية على مدى السنوات السبع العجاف هناك لم يألفها أو يتوقعها العراقيون. ضريبة باهظة وخسارة فادحة دفعهما شعب العراق. تلك كلفة تتجاوز مادياً ومعنوياً ما دفعه العراقيون مقابل الانقلابات الدموية الأربعة التي تلت نهاية النظام الملكي في 1958.

5 أشهر ومصالح الشعب عالقة في انتظار اتفاق غالبية الساسة على واحد من رجلين فقط لتشكيل الحكومة! انسحاب القوات الأميركية ليس إنجازاً وطنياً من صنع هؤلاء الرجال. أكثر من 2400 رجل وامرأة قوام البعثة الدبلوماسية الأميركية المرتقبة في العراق. نفوذ هؤلاء السياسي يتجاوز قاعدة عسكرية.

هذه مجرد نماذج للإحباطات العربية الناجمة عن الرهانات الخائبة على النخب العربية العاجزة عن تحقيق الآمال الوطنية في ظروف تاريخية متباينة.