ثورة الاتصال، تكنولوجيا المعلومات، الانفجار المعلوماتي، الإعلام الكوني، القرية الكونية، عالم واحد وأصوات متعددة، كلها مصطلحات أصبحنا نمسي ونصبح عليها، فرضها واقع نعيشه بكل إشكالياته، هذا الواقع الذي لم يكن لنا دور في صياغة الكثير من مفرداته، لكن سرنا في ركابه أملا في الاستفادة من مبشراته أو خوفا من الوقوف أمام تياره الجارف، أو أن نوصم بأننا مجتمعات غير قابلة للتقدم أو راغبة في دخول عصر ما بعد الثورة الصناعية.
وهو العصر التي تتضاعف فيه كمية المعلومات في الكون كل أربع سنوات، مما شكل عاملا ضاغطا للبحث عن طرق جديدة لتخزينها وتصنيفها واستدعائها وتبادلها مع الغير بيسر وسهولة، فكان نتيجة طبيعية أن يتم التزاوج بين تكنولوجيا الاتصال باعتبارها الوعاء والحامل للمعلومة، وأن تتعدد أشكال وأدوات نقل المعلومة ونشهد كل يوم منها الأسرع والأسهل.
وكما هو الحال دائما، تبدأ أدوات التكنولوجيا نخبوية أو يقتصر استخدامها على فئة معينة، ثم ما تلبث أن تنتشر بين كافة شرائح المجتمع الواحد، أو بين الدول ذاتها مهما اختلفت درجاتها على سلم الرفاه الاقتصادي، وإن كان من المسلم به أن ذلك يتم عبر سنوات وفترات متباعدة.
كما أنه من المعلوم أن المراحل الاتصالية التي تمر بها الدول تتفاوت في نوعية الأدوات المستخدمة، ولا يعني الوصول إلى مرحلة اتصالية معينة إلغاء المرحلة التي قبلها.. هذا ما تخبرنا به القراءة المتأنية لنشأة وسائل الاتصال منذ مرحلة الكتابة على ألواح الطين، وليس انتهاء بوسائل الاتصال التي نستخدمها حتى باتت جزءا رئيسا من حياتنا اليومية.
واليوم نعيش حالة نمط اتصالي فرض علينا وانبهرنا به، وأقبلنا على اقتناء مزيد من أدواته كل يوم، دون أن يكون لنا دور في تحديد مساراته أو السيطرة على مضمونه أو المشاركة في وضع قواعد هذا الوافد الجديد، مكتفين بدور المستهلك المشدوه بهذه الأدوات الجديدة، إلا أنه وبعد مرور عدة سنوات على هذا الزخم الاتصالي، أدركنا أن التكنولوجيا الجديدة ليست خيرا خالصا، فكما تعطي تأخذ، وكما تقدم قيما جديدة تطمس قيما أخرى ربما أغلى، وكما تساعدك على اتخاذ قرارات تضلك عند اتخاذ قرارات أخرى، وكما كانت مصدرا للشعور بالأمن، كانت من معينات ارتكاب الجرائم بكافة أشكالها.
إن كل أدوات التكنولوجيا لها وجهان؛ وجه يحمل الجانب الإيجابي، وآخر يحمل الجانب السلبي. وتكنولوجيا الاتصال، شأنها في ذلك كشأن باقي أدوات الاتصال، بل إن التأثيرات السلبية بما تحمله من نتائج مدمرة، قد تكون في أحيان أخرى أكبر بكثير من نتائجها الإيجابية.
فنحن نرى بأعيننا، تلك الحالة من العزلة التي يعيشها أبناؤنا وهم منكبون على بعض المفاتيح لفترات طويلة داخل غرفهم، التي تحولت إلى غرف الكترونية يقيمون من خلالها علاقات مع عالم افتراضي، بعيدا عن الاتصال الشخصي الذي نحتاج إليه للحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي للمجتمع. بل إن البعض يكتفي باستخدام الهاتف للاتصال بباقي أفراد أسرته داخل المنزل الواحد، دون أن يكلف نفسه عناء الخروج من غرفته! والنتيجة مزيد من العزلة.
وحتى وسائل الاتصال جماهيرية النشأة، مثل أجهزة التليفزيون التي كانت الأسرة تلتف حول شاشتها في أوقات السمر لتبادل حلو الحديث، أصبحت الفردية هي نمط مشاهدتها، فمن الصعوبة أن تجد مجموعة من الأفراد تتفق على مضمون واحد، نتيجة لتحول هذه الوسائل ذاتها لتلبية حاجات فردية، من خلال القنوات المتخصصة التي حملت من السلبيات قدرا لا يقل عن الايجابيات، حيث أغرقت مشاهديها بنوعية محددة من البرامج، في حين كانت القنوات العامة مصدرا للتعلم العارض «غير المقصود».
فعندما ترقب موعد مباراة رياضية، لا بأس قبلها من متابعة النشرة الإخبارية أو برنامج ثقافي إلى أن يحين موعد المباراة.. فضلا على ذلك، فإن توحيد الرسالة الاتصالية ساعد إلى حد كبير على التوجيه الاجتماعي، وخاصة في فترات الأزمات، والذي أصبح مفقودا الآن إلى حد كبير.
كما سهلت هذه الوسائل من قدرة الأفراد على تخليص الكثير من معاملاتهم المختلفة، دون الحاجة إلى مساعدة الآخرين أو الاعتماد عليهم، مما كان له أثر سلبي على ترابط المجتمع وأخطار مصاحبة، فما زالت التجارة الالكترونية عبر الانترنت تحمل مخاطر عديدة لم يتم الفصل فيها، وأسلوب الدفع الالكتروني يحيطه العديد من المصاعب، إضافة إلى ما يواجه شبابنا من تحديات تتصل بهدم القيم أو العقيدة.
والشاهد ما قامت به إحدى المنظمات من خلال شبكة الانترنت من محاولة لتشويه القرآن الكريم يوم أن طلبت من مرتادي موقعها كتابة سور تشبه سور القرآن الكريم، كمحاولة للنيل من قدسيته والإيهام بأن البشر بإمكانهم محاكاته، فضلا على المخاطر المتعلقة بالإباحية والعلاقات المحرمة عبر المحادثات وغيرها.
لكن أخطر ما يواجهنا من تحديات، هو المتعلق بالأمن العام للدولة. فقد أثبتت التجربة بما لا يدع مجالا للشك، أنه بالإمكان استخدام شبكة المعلومات من قبل المخربين لارتكاب جرائم إرهابية، وكذلك المخدرات والعبث بأمن المجتمع ومقدراته، والأمثلة على ذلك فوق أن تحصى، حيث وصل اختراق شبكة وزارة الدفاع الأميركية ذاتها أكثر من 400 مرة، ما دفعها إلى وضع رقابة صارمة على العديد من مصادر المعلومات.
أعلم أن البعض يتحسس من ذكر مساوئ هذه الأدوات الجديدة، خوفا من اتهامه بالوقوف في صف أعداء حرية التعبير ومن أنصار تكميم الأفواه، إلا أن هذه الحرية نفسها باتت غير مضمونة بسبب هذه الأدوات ذاتها. فبعد أن كان المأمول من تكنولوجيا الاتصال الحديثة أن تخلق من هذه الحالة الكونية عالما واحدا وأصواتا متعددة، جعلت هناك صوتا واحدا، وهو الصوت الأقوى والمسيطر، وعوالم متعددة.
إنه مع التسليم الشديد بأهمية تكنولوجيا الاتصال كمكون أساسي في حياتنا، إلا أن العبرة دائما تتمثل في نتائج استخدامها والتطبيق الفعال لها، بحيث يتم تعظيم الاستفادة من إيجابياتها ومواجهة سلبياتها بشتى السبل المتاحة وهي متعددة. وإذا كان هذا الواقع قد فرض علينا دون أن تكون لنا يد في وضع قواعده، فلا بأس من تطويعه بوضع قواعد جديدة تتناسب ومستقبل أبنائنا ومصلحة أوطاننا، دون تردد أو وجل، فالوطن هو الأغلى والأبقى.
