تهتزّ فرنسا، بلد شريعة حقوق الإنسان، هذه الأيّام، بعد أن أدانت لجنة إزالة التمييز العنصري للأمم المتحدة السياسات الحكومية في هذا البلد، وبعد أن تابع الفرنسيّون صيفاً يتأرجح بين مشاريع إسقاط الجنسيّة عن الجانحين «ذوي الأصول الأجنبيّة»، وبين هجمات الشرطة على «الغجر الرحّل» لترحيلهم قسراً إلى رومانيا، البلد العضو مع ذلك في الاتحاد الأوروبي.
أمام هذا الأمر، تتزايد الأصوات التي تدين سياسات الرئيس نيكولا ساركوزي (حتّى ضمن اليمين الفرنسي) وتركيزه على المهاجرين والأجانب والأمن، في محاولته لتحضير حملته الانتخابية لفترة رئاسيّة ثانية. بل إن هذه الإدانات ذهبت حتّى التساؤل حول المناخ السائد، الذي بات يسمح في فرنسا لرجلٍ سياسيّ بأن يأمل بالحصول على شعبيّة عبر أطروحات كهذه!
اكتشف الفرنسيّون أنّ مناخهم قد بات، رغماً عنهم، في خضم صراع «الحضارات». لقد نأوا بعيداً عن عصر الأنوار وعن علمانيّة الثورة الفرنسيّة ومثلها الإنسانيّة، تحت تأثير فلاسفة جدد يبجّلون «الحضارة الغربيّة».
بل ينظّرون بأنّ هذه الحضارة تمتدّ جذورها إلى الإغريق واليهوديّة والمسيحيّة الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة، وأنّها بعيدة ومتناقضة مع الحضارات الأخرى، وعلى رأسها الإسلاميّة، العصيّة على «العقلانيّة والمعرفة».
الأنكى أنّ الأمر قديم، ويعود أصلاً إلى مفكرين ومؤرّخين، مثل إرنيست رينان وفرنان بروديل وغيرهما، ممّن أسّسوا لهذا الكائن المفهومي، أي الحضارة الغربية، الفريدة في تفاعل عناصرها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ولكنّ الجديد الذي لم يتجرّؤوا عليه، هو إنكار ما أتت به المجتمعات الأخرى على الإرث الثقافي لأوروبا، وعلى الأخصّ إنكار أنّ الثقافة الإغريقيّة لم تنتقل إلى أوروبا القرون الوسطى (التي باتت تنكر ظلاميّتها) عبر الثقافة والفلسفة العربيّة.
والأقسى أنّ هذا الأمر متأصّل حتّى في التعليم المدرسيّ. ففي حين تقول المناهج التعليميّة بضرورة فهم الآخر الإسلاميّ، الذي بات يشكّل عشرة في المئة من سكّان فرنسا، وتقدّم فرنسا نفسها بطلة مشروع الاتحاد من أجل المتوسّط، فإنّها لا تعلّم في المناهج المدرسيّة تاريخ الشطر الآخر من المتوسّط، إلا عبر دراسة القرآن الكريم وبدايات الفتوحات الإسلاميّة وأشكال المدن.
فلا حديث عن العصر الذهبي العربي ـ الإسلامي وعن فلاسفته وعلومه، فتاريخ الفلسفة والعلوم يبدأ فيها فقط مع الإغريق، ثمّ ينطفئ النور لينبعث بقدرة قادر فجأةً في عصر الأنوار.
ولا حديث عن الأندلس والتفاعل الثريّ الذي جرى بين أبناء الأديان التوحيديّة الثلاث على أرض أوروبيّة، ولا عن الإمبراطوريّات الكبرى (الفاطميّة والمملوكيّة والعثمانيّة) على الضفّة الأخرى، والتي كانت أكثر تسامحاً وانفتاحاً من أوروبا العصور الوسطى.
هكذا تمّ دمج درس الدين ضمن درس التاريخ، بدل فصل الإثنين، بحيث تظهر المسيحيّة ديناً وتاريخاً، واليهوديّة ديناً فقط وتاريخاً مستقى من التوراة بدل علم الآثار، والإسلام دين وفتوحات مبكّرة فقط. فكيف يمكن للطفل الفرنسي أن ينشأ على فكرة أخرى غير أنّ الإسلام دين فتوحات وعنف؟
ما ينقذ التلامذة الفرنسيين قليلاً، هو التفصيل الذي تتناول به مناهج التعليم مرحلة الثورة الفرنسيّة وما بعدها، مع صراع الأفكار ومدّها وجزرها على المستوى السياسيّ.
لكنّ الحسّ المعرفيّ الذي يمكن أن ينتج عن ذلك، لا يتناول إلا التجربة الداخليّة الفرنسيّة، دون التعرّض كثيراً إلى التفاعل مع الآخرين (ومثال ذلك التحالفات بين ملوك فرنسا والإمبراطوريّة العثمانيّة ضدّ أوروبيين آخرين.
حتّى التحالف بين هؤلاء و«قراصنة» ذي اللحية الحمراء المسلم الذي حكم شمال أفريقيا وسيطر على البحر المتوسّط لفترة)، ودون التعرَض إلى تزامن فترة «النهضة الصناعيّة» الفرنسيّة مع حقبة الاستعمار وترابطهما العضوي.
على خلفية هذا كلّه، يزول العجب من التصريحات التي أتى بها خطاب الرئيس ساركوزي في داكار، حين أعلن أن «الإنسان الأفريقي لم يدخل التاريخ... وليس في مخيّلته مكان للمغامرة الإنسانيّة ولفكرة التقدّم».
مفهوم «حضارة معيّنة»، لا «الحضارة» بمعناها العريض، هو أصلاً اختزال، المقصود منه تأسيس مناهج مدرسيّة تربط عناصر تاريخيّة واقتصاديّة واجتماعيّة لخلق «هويّة» لبلدٍ ما، وغرسها في أذهان التلاميذ. ولكنّه، لا معنى له، إذ أنّ تاريخ العلوم نتاج جميع الحضارات، وتاريخ الاقتصاد نتاج جميع الحضارات، وكذلك تاريخ النظم الاجتماعيّة.
إقفال ملفّ صراع الحضارات لا يتمّ عبر الحوار بين الأديان. فالأديان كائنات معروفة تستطيع فعلاً أن تتحاور في ما تشكّله من رسالات سامية، علماً أنّها بالطبع لن تندمج في دينٍ واحد. صراع الحضارات لا ينتهي إلا يوم تترسخ القناعة بأنّ الحضارة الإنسانيّة هي، وبمختلف مكوّناتها.. واحدة للجميع.
رئيس منتدى الاقتصاديين العرب
aita@mafhoum.com