منذ ستينيات القرن الماضي، تحرص وزارة الزراعة الأميركية على إصدار تقرير سنوي حول تكلفة إنجاب وتربية الأطفال في العائلات الأميركية. وقد بات هذا التقرير بمثابة مؤشر سنوي، يقيس الارتفاع أو الانخفاض في الكلفة المادية (بالدولارات) لتنشئة الطفل، ابتداء من ولادته وحتى سن السابعة عشرة.
اعتاد التقرير على تقسيم العائلات الأميركية إلى ثلاث فئات بحسب الدخل السابق للضريبة: الفئة الأولى هي العائلات ذات الدخل السنوي الذي يبلغ في المتوسط العام نحو 36 ألف دولار، والثانية هي ذات متوسط دخل سنوي يبلغ 76 ألف دولار، أما الثالثة فهي للعائلات الميسورة التي يبلغ دخلها في المتوسط 171 ألف دولار فما فوق.
التقرير الأخير الصادر في يونيو 2010، يشير إلى أن الطفل الواحد للأسرة الأميركية الطبيعية (من زوجين شرعيين) في الفئة الأولى، يكلف أكثر بقليل من 160 ألف دولار سنوياً، أما في الفئتين الثانية والثالثة فيكلف على التوالي: 222 ألف دولار و369 ألف دولار.
حرصت على إيراد هذه الأرقام والمعطيات كتمهيد فقط، ولست أرى في هذا المقال مقاماً مناسباً للتحليل الرقمي المفصّل لما جاء في التقرير. أردت من ذلك أن أشير إلى موجة من المقالات التي نشرت في الصحف والمجلات الأميركية التي تساءلت بكثير من التأمل، وعلى نحو يحمل مضموناً استنكارياً: هل من المجدي حقاً إنجاب أطفال في هذا الزمن؟
ما الذي يدفع المرء للمغامرة بربع مليون دولار كي يحصل على طفل؟ بماذا سينفعه ذلك الطفل في المقابل؟ أسئلة تتردد كثيراً هذه الأيام في وسائل الإعلام الأميركية، وقد عززتها أجواء الأزمة المالية المهيمنة على كل شيء.
مثلاً، لا حصراً، تضمنت مجلة فورتشن الاقتصادية الشهيرة في عددها الأخير، مقالاً يشكك في «العائد على الاستثمار» من وراء الإنجاب والتربية، ويكاد مؤلف المقالة يخلص إلى توصية مفادها أن التوصيف الوحيد لتلك العملية (الإنجاب والتربية)، هو أنها مشروع خائب بكل المعايير.
ومن قبل فورتشن، كانت مجلة «بزنس ويك» نشرت مقالة لكارين ماكورماك، تحمل عنواناً صارخاً: «هل تنشئة الأطفال لعبة غبية؟»، تقول في مقدمته: «الحصول على طفل أمر ممتع، لكن حذار من العبء المادي الذي قد يفسد كل شيء، لأنه سيضع رفاهيتكم في مهب الريح».
وفي مجلة «Money» صاح الكاتب أليسون تريت، في مقدمة مقالة بعنوان «الكلفة الحقيقية لإنجاب طفل»، قائلاً: أيها الأولاد، هل تعتقدون أن لدينا أموالاً كافية من أجلكم؟
وعشرات، بل مئات المواقع الإلكترونية التي تتناول الموضوع بحماسة، تفسر الكثير من أسباب عزوف المجتمع الغربي عن الإنجاب، وتأجيل قراره حتى الرمق ما قبل الأخير من سن الخصوبة.
بالنسبة لشخص مثلي، نشأ في كنف ثقافة تؤمن بأن الطفل يأتي ورزقه معه، من السهل تصويب سهام النقد على تلك الثقافة المادية التي تختزل الأبوة والأمومة ـ مثلما تختزل كل القيم الأخرى ـ في أرقام و«بنك نوت».
لكن هل نحن، وبعد أن تعولمنا حتى النخاع، بعيدون حقاً عن تلك الثقافة؟
يؤسفني القول إننا قد لا نكون كذلك. الفرق الأساس الذي أستطيع أن أجزم به إلى حد بعيد، هو أنهم في الكيفية التي يحسبون بها الأمور منسجمون مع سياقهم الثقافي، فيما نحن تائهون مرتبكون.
أستطيع أن أتفهم قيام الأميركي العادي بتبريم شفتيه وضرب الأخماس بالأسداس، وهو يتأمل ضآلة العائد المنتظر من إنجاب طفل، مقابل ضخامة الاستثمار الذي يتعين عليه الالتزام به. المسألة بالنسبة لديه واضحة: لا بد من وجود عائد معقول على الاستثمار في أي مشروع، وعلى ذلك العائد أن يكون مادياً وأن يقاس بالأرقام.
في المجتمعات العربية ينجب الناس الأطفال لأن تلك هي سنة الحياة، ولأن الصغار زينة الحياة الدنيا، ولأن الأبوين يتوقعان من الأبناء عائداً أثمن من كل مال الدنيا، وهو الإحسان لهما في الكبر. وجل هذه الاعتبارات ليست مادية بحتة، وليس من السهل قياسها بالأرقام والبنكنوت.
التوقعات، إذاً، غير مادية بالمعنى المباشر، وهي تمثّل المخرجات المتوقعة من عملية الإنجاب والتربية، فماذا عن المدخلات؟
نحن لا نبخل على أبنائنا بكل ما يحتاجونه وما لا يحتاجونه. نجسّد الدور المثالي للأبوة والأمومة، بأن نجلب لأطفالنا أفضل الخادمات والمربيات والسائقات.. إلخ، ولا تهم التكلفة، المهم أن يكون فلذات أكبادنا سعداء.
نعبّر لهم عن حبنا العميق بأن نفتح لهم جيوبنا ونجعل من أنفسنا أجهزة صراف آلية تعمل بالإشارة. وإن واجه طفلي أو طفلك مشكلة في فهم دروسه (وغالباً ما يواجه)، فالمدرس الخصوصي هو الحل، ولا تهم التكلفة!
نحن مستعدون للاقتراض من أجلهم، ومستعدون لبيع الغالي والنفيس لكي لا نجعلهم يعانون ما عانينا.. تلاحظون أن كل هذه المدخلات هي من النوع المادي نفسه؟ هكذا نمارس الأبوة والأمومة.. بالأرقام والبنك نوت، ولكن توقعاتنا غير ذلك. ومن هنا يأتي الارتباك الذي أشرت إليه.
المخرجات المتوقعة من هذا النوع من التربية، ستكون من جنس المدخلات. عندما تصل إلى خريف العمر، عليك أن تتوقع من ابنك أن يرد لك الجميل بأن يرسلك إلى دار للعجزة، ولا تهم التكلفة؟
وعندما تمرض وأنت في أمس الحاجة إلى وجود ابنك إلى جانبك، عليك أن تتوقع أن فلذة كبدك سيتكرّم عليك بأن يتصل من مكتبه، بأفضل طبيب في المنطقة ليأتي كي يعتني بك.
يقول المثل: من يقدّم السبت، يجد الأحد؟
مدير عام الهيئة العامة للمعلومات
salem.alshair@gmail.com
