أيام قليلة ويبدأ الانسحاب الأميركي من العراق وسط حالة من التباكي السياسي على أفول الوجود العسكري للولايات المتحدة في هذا البلد بعد احتلال دام سبع سنوات. العسكرية الأميركية تجر أذيال الخيبة وتعود، وليس هناك مانع من أن يرفع الجنود علامة النصر لدى عودتهم إلى الأراضي الأميركية بعد أن اختفت الكلمة تماماً من الخطاب السياسي والعسكري الأميركي.

يرحل الأميركيون دون تأنيب ضمير من أن يتسبب الرحيل في فوضى قد لا تتوقف عند حدود العراق وحده وإنما تهدد دولًا أخرى في المنطقة، ومنذ متى كان المحتل يتحلى بضمير؟ لكن أي منصف يدرك جيداً أن الغزو ومن ثم الرحيل قد خلخل موازين القوى في المنطقة، وجعل أوضاعها مفتوحة على المجهول. فقد كانت الدولة العراقية مع سوءاتها التي لم يكن ينكرها أحد، تجعل المنطقة أفضل حالًا..

فبعد تفكيك الدولة، وإزالة لحمتها الوطنية لصالح الطائفية والعرقية والمذهبية تحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات، وممارسة النفوذ إقليمياً ودولياً لدرجة أن سياسياً بوزن إياد علاوي يعلق ساخراً بالقول: «سننتظر أن تأتي مالطا في يوم من الأيام لتقول نحن نريد أن نملأ الفراغ».

العراق بعد الانسحاب يمثل نقطة توتر مذهبية إن اشتعلت نيرانها فمن الصعب السيطرة عليها، خاصة أن عهد الاحتلال قد كرس الصراع المذهبي، فالعروبة المثخنة بالجراح والتي وضعت على تناقض مع الكردية خلافاً للسياق التاريخي، تتلقى طعنة أخرى بالمذهبية اللعينة وتتراجع من خيار أول لتحل محلها ثنائية «شيعي أم سني» وهذا ما اتضح جلياً في تصريح رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، والذي اتهم فيه كتلة العراقية بزعامة إياد علاوي بأنها لا تعبر إلا عن السنة.. أملاً في أن يعطي انطباعاً بأن كتلته تمثل التعبير عن جميع مكونات العراق، وهذا أمر لا ظل له من الحقيقة.

وإذا كان السياسيون العراقيون في ظل الوجود العسكري الأميركي الضخم قد عجزوا طوال أكثر من خمسة أشهر عن الاتفاق على تشكيل حكومة، فكم يحتاجون في غيابه؟ وهل يحتمل بلد مثخن بالجراح مثل هذا الفراغ السياسي خاصة في ضوء تصريح الفريق بابكر زيباري رئيس أركان الجيش العراقي بأن جيشه لن يكون قادراً على ضمان أمن البلاد قبل عام 2020.

وأي ساحة لعينة سيكون العراق في ظل تخوف الجميع من نتانياهو الذي يرى أن الانسحاب سيكون خطراً على أمن إسرائيل، مروراً بتركيا وسوريا والسعودية وسائر دول الجوار. وكيف تدعي الولايات المتحدة معاداة إيران وهي التي قدمت لها خدمة جليلة تمثلت في تفكيك أوصال الدولة التي كانت تمثل ثقلاً معادلًا لها من الناحيتين السياسية والعسكرية، يمنع تمددها واستفرادها بالتأثير وممارسة النفوذ في المنطقة.

ليس ذلك فحسب، بل تحول العراق نفسه إلى ورقة لصانع السياسة الإيراني يلوح بها وقت اللزوم، كما يلوح بورقة حزب الله اللبناني ويحاول تغيير صورتها من حركة مقاومة عربية جديرة بالاحترام، إلى أداة مذهبية أحياناً، وإلى بيدق شطرنج في لعبة شد الحبل بين طهران والغرب، أو كيس الرمل الذي يتدرب عليه الملاكمون بدلًا من إبقائه أيقونة نصر في زمن الهزائم وأيقونة عزّ في زمن الانكسار.

ويبدو أن كل اللاعبين الإقليميين بدأوا الإحماء انتظاراً للرحيل الأميركي حتى يجدوا لهم موطئ قدم في المعادلة العراقية الجديدة، إلا الطرف الأصيل الذي كان يفترض أن يكون موجوداً هناك حماية لأمن المنطقة ومستقبل البلد الذي مثل يوماً إحدى درر التاج العربي، وهذا مكمن الخطر، فالعراق في غيبة الوجود العربي يمكن أن يتحول إلى حالة وسط بين لبنان والصومال، ولن يدفع أحد الثمن بعد العراقيين إلا العرب، فالآخرون سيجنون الثمار.