اتهم نوري المالكي قبل أيام القائمة العراقية بأنها قائمة (سنية) رغم أن رئيسها إياد علاوي شيعي، ومن الواضح أن روائح الطائفية تفوح من مثل هذه التصريحات، في وقت يحتاج فيه العراق، لرفض الطائفية والمحاصصة والتخلي عن الأهواء الشخصية والامتيازات الشخصية أو الحزبية الضيقة.

والعودة لمرجعية المواطنة العراقية المشتركة، والعمل لتشكيل حكومة ائتلاف وطني قادرة على حل مشاكل العراق التي أصبحت هائلة الصعوبة، وتخليص شعبه من آلامه وعذاباته الكبرى والصغرى، ولجم الفساد الذي استشرى حتى أصبح صنواً للنظام العراقي.

أسس السيد محمد باقر الصدر حزب الدعوة العراقي عام 1957. وأطلق عليه اسمه وهو أول حزب شيعي في العراق، ولعله الوجه الثاني لحركة الإخوان المسلمين العراقية (السنية) التي تأسست قبله بعشرات السنين.

وقد انسحب السيد الصدر من الحزب في ستينات القرن الماضي لأسباب عديدة، يبدو أن أهمها أن عدداً من المراجع الكبار لم يكن راضياً عن هذه الصلة بين السيد الصدر وحزب الدعوة، لأن المرجعية ترفض التأطر الحزبي وتعتبر أن واجبها أن تكون للجميع،ولأن الحوزة هي الحزب الأكبر الذي يجب أن ينضوي داخله كل المقلدين الشيعة لأي مرجع كان، فضلاً عن القناعة بأن العمل السياسي يفسد العمل الديني (دراسة لحسين صبرا في الشراع).

وقد أصدر السيد الصدر بعد انسحابه من الحزب فتوى تحرم الانتماء إليه، ومازال السيد مقتدى الصدر الابن حتى الآن يرفض التحالف معه أو دعمه سياسياً، كما أن الحزب بقيادة نوري المالكي لا يخفي عداءه للتيار الصدري.

إن حزب الدعوة هو أقوى حزب شيعي في العراق، وكانت منطلقاته الأولى تنادي بالشورى واحترام التعددية الحزبية، وتداول السلطة، وبالانتخابات والنظام البرلماني، وطالما صرح قادته بإيمانهم بهذه المبادئ .

إضافة إلى أن الحزب كان يعتبر أن المواطنة هي المرجعية الوحيدة للمواطنين على مختلف إثنياتهم وأديانهم، وفي ضوء ذلك نادى بحرية العبادة لجميع المؤمنين من اتباع الديانات الأخرى.

ورفض تكفير الآخر حتى لو كان غير متدين أولا يؤمن بالحل الديني، وأكد أن المجتمع العراقي ليس جاهلياً لأن تقاليده وأعرافه وبعض قوانينه إسلامية، وطالب بحقوق الأقليات الثقافية والمدنية وغيرها، ووقع بيانات مع الأكراد كأقلية قومية ومع الشيوعيين كآخر علماني تؤكد على التفاهم والتعاون وتحفّظ على إقامة الفيدرالية في العراق، ورفض من حيث المبدأ تدويل القضية العراقية.

كان لحزب الدعوة علاقات خاصة ومميزة مع إيران منذ قبيل ثورتها حتى الآن، فبعد جدل كبير وخطير داخل الحزب حول هذه العلاقة، انتصر من ينادي بتقويتها وتعميقها وتكريس خصوصيتها، واعتمد الجناح المؤيد للعلاقة والمراهن عليهاعلى أقوال وآراء وأفكار السيد محمد باقر الصدر، مع أنه ترك الحزب قبل أكثر من عشرة أعوام من قيام ثورة الخميني، وكانت توجيهات محمد باقر الصدر تقول (ذوبوا في الإمام الخميني كما ذاب هو في الإسلام)، وأعد بضعة دراسات قدمها للثورة في أيامها الأولى حول الدستور الإيراني المقترح وحول قضايا أخرى تتعلق بهيكيلة الدولة وسياساتها.

وقد قرر الحزب التعامل معها وتحول إلى القول بولاية الفقيه وتخلى عن الشورى، ثم عدل موقفه ودعا إلى الدمج بين الشورى وولاية الفقيه ، بل طُرحت شعارت داخل الحزب تدعو للذوبان في الثورة الإيرانية، وهذا ما تحقق فعلاً، حيث قاتل أعضاء الحزب معها وتجندوا في صفوفها ضد بلدهم العراق (على رأيهم ضد النظام العراقي وليس ضد الوطن العراقي) ولم يكن عددهم أفراداً بل كان آلافاً.

هذا هو الإطار العام الذي كان لحزب الدعوة العراقي قبل الغزو الأميركي وسقوط النظام، فما هي سياساته وممارساته بعد ذلك؟.

بعد مرحلة انتقالية تبعت الغزو دامت ثلاث سنوات، تولى حكم العراق فيها مجلس الحكم ثم إياد علاوي، ترأس نوري المالكي الحكومة العراقية، أي تسلم السلطة الفعلية والكلية في العراق، والمالكي هو رئيس حزب الدعوة، وأقوى شخصية فيه، بل هو القوة الوحيدة داخل الحزب، بعد أن استطاع تهميش القادة الآخرين ثم استبدالهم بقيادة شباب أكثر مطواعية، ومازال حاكماً للعراق منذ أربع سنوات، ويطمح بولاية جديدة.

غير المالكي في الواقع أو عدل بنية الحزب، وأيديولوجيته، وأفكاره وبرامجه، ففي داخل الحزب لم يعد للشورى وجود، فهو نفسه أقوى من المكتب السياسي، ومن أية جهة أخرى، وقوله هو القول الفصل، وسرعان ما تتحول رغبته إلى قرار حزبي، وباختصار صار الحزب هو المالكي والمالكي هو الحزب، ولا أحد يستطيع الجزم إن كان ذلك بسبب قوة شخصيته، أم إفراغ الحزب من الشخصيات القيادية إم إضعاف الحرس القديم، أم غير ذلك.

أما على نطاق سياسات الحزب العامة وبرامجه، فلم يعد الحزب يتبنى الشورى كما كان لا داخل الحزب ولا داخل المجتمع، ونحاها جانباً لصالح ولاية الفقيه في إيران، كما لم يعد يحترم التعددية الحزبية (ولو استطاع لألغاها)، ولديه تحفظ على تطبيق حقوق الأقليات الأخرى وحقوق الإنسان، والأمر المستغرب والمقلق هو تخليه عن رفض الفيدرالية.

وتحوله إلى أشد أنصارها، ويتهمه البعض بأنه يعمل على فيدرالية تقيم (شبه دولة) في جنوب العراق (كونفدرالية) وتملك النفط والسلطة والتنسيق مع إيران، وتحول رفضه القديم لتدويل القضية العراقية إلى عمل دؤوب للتنسيق المطلق مع إيران إلى ما يقارب الذوبان، وقبول دخول جموع الحرس الإيراني للعراق، حتى كاد حزب الدعوة العراقي يفقد هويته ويصبح حزباً إيرانياً خارج الحدود.

يرى بعض المراقبين أن الحزب أصبح يرغب بالاحتفاظ بالسلطة بأي ثمن، ولأن نوري المالكي هو (القائد الضرورة) فإنه يرفض تطبيق الدستور العراقي، أو الإذعان لاتفاق الأحزاب والكتل النيابية العراقية، ولايقبل أي حراك سياسي لا يكون فيه رئيساً مقبلاً للوزراء وحاكماً بأمره، وقد مضت ستة أشهر على ظهور نتائج الانتخابات ومازال يتولى السلطة (حتى لو كانت سلطة تسيير أعمال) فهي بالنهاية تمنحه الحق بالتصرف بالسلطة أكثر مما كان للرئيس الراحل صدام حسين مثل هذا الحق.

كاتب سوري