إذا كان من الطبيعي أن يكون لكل بيت أو منشأة قناة لتصريف المياه العادمة، ففي السياسة أيضاً يمكن أن يحدث شيء مشابه. أفيغدور ليبرمان، وزير الخارجية الإسرائيلي وزعيم حزب «إسرائيل بيتنا»، لا يعرف فقط على أنه متطرف، مأفون، وعنصري بارز، بل إنه أيضاً يشكل قناة تصريف السياسات والمواقف الأكثر بشاعة.
قبل نحو شهر أو أكثر كان قد كتب مقالاً نشرته صحيفة «جيروزالم بوست» الإسرائيلية استعرض فيه موقفاً يختصر الطريق كثيراً لمعرفة الأهداف التي يسعى لتحقيقها الائتلاف الحكومي الذي يقوده زعيم الليكود بنيامين نتنياهو.
في مقالته يترجم ليبرمان مسألة الدولة اليهودية، بالدعوة صراحةً لنزع الجنسية الإسرائيلية عن الفلسطينيين المتمسكين بأرضهم المحتلة منذ عام 1948، ويرى ضرورة ترحيلهم إلى المناطق المحتلة منذ عام 1967، باعتبارها الأرض التي يمكن أن تقوم عليها دولة فلسطين.
ولا يستثني ليبرمان إمكانية أن تشمل عملية تبادل الأراضي المفترضة، ضم منطقة المثلث شمال فلسطين ذات الكثافة السكانية الفلسطينية مقابل الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية المقامة على أراضي الضفة الغربية.
ليبرمان كان قد صرف العديد من المواقف، فهو لا يرى إمكانية لإقامة سلام انطلاقاً من مبدأ الأرض مقابل السلام، وهو لا يرى إمكانية لقيام دولة فلسطينية قبل العام 2012، وتكرس كتلته الانتخابية جهداً لتقديم عدد متتابع من مشاريع القرارات ذات الطابع العنصري ضد مواطني إسرائيل من الفلسطينيين، كان آخرها حظر عمل هؤلاء في المؤسسات الرسمية.
آخر ما نشرته الصحافة الإسرائيلية عنه يوم الجمعة السادس عشر من هذا الشهر، أن وزارته بلورت خطة تستهدف إنهاء كل مسؤولية لإسرائيل كدولة محتلة عن قطاع غزة، والسعي من أجل الحصول على شرعية دولية تعتبر القطاع كيان مستقل.
خطة ليبرمان تتضمن أيضاً دعماً أوروبياً من أجل إقامة محطات لتوليد الكهرباء وتحلية مياه البحر وتكرير المياه العادمة وتكليف الاتحاد الأوروبي أيضاً بالمراقبة والإشراف على المعابر الحدودية كشكل من أشكال التدويل. قبل أن يكشف ليبرمان عن خطته المتبلورة، كان زميله في الحكومة وزير الاقتصاد قد طالب أكثر من مرة، بتحقيق هذا الهدف وبلورة خطة لتنفيذه، وقد جاءت تصريحاته مباشرة، عقب القرصنة الإسرائيلية على أسطول الحرية في الحادي والثلاثين من أيار/ مايو الماضي.
وفي الأساس فإن الأمر كله يعود إلى سياسة شارون بشأن الفصل أحادي الجانب، التي نفذها في شهر أغسطس 2005، وأدت إلى إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي وتفكيك 19 مستوطنة كانت مقامة على أراضي قطاع غزة.
كان القرار الأهم في هذا السياق، هو قرار اتخذته في سبتمبر 2007 حكومة أيهود أولمرت، خليفة شارون في زعامة حزب كاديما وفي رئاسة الحكومة، ويقضي بالتعامل مع قطاع غزة باعتباره «كياناً معادياً».
على أن الحصار الذي فرضته إسرائيل على القطاع منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية العاشرة، برئاسة القيادي من حماس إسماعيل هنية، وتم تشديده بعد أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في الخامس والعشرين من يونيو 2006، كان الحصار هو الآلية العملية التي سيتم من خلالها تعميق الانقسام بين قطاع غزة، والضفة الغربية وصولاً للفصل التام.
هكذا يبدو جلياً أن إقدام إسرائيل مؤخراً على تخفيف الحصار بمعنى السماح بتدفق المواد والبضائع ما عدا الاستراتيجية منها، ومزدوجة الاستخدام، إنما يستهدف إبقاء وتشديد الحصار السياسي والجغرافي وتعميق الانقسام الفلسطيني، إلى حد الفصل الكامل.
لقد سعت إسرائيل من خلال الحصار إلى دفع قطاع غزة للاعتماد في كل ما يحتاجه على مصر، وكان واضحاً أن السلوك المصري الذي يعتبره البعض مشاركاً في الحصار، قد جاء على خلفية إدراك مصري عميق للأهداف الخبيثة التي تسعى إسرائيل لتنفيذها، ومن أجل إفشال تلك الأهداف.
الخطة التي تبلورها الخارجية الإسرائيلية تفترض الحصول على دعم واشنطن، والاتحاد الأوروبي، كعامل أساسي لإنجاحها، وفي ظروف طبيعية يفترض أيضاً أن تحظى بقبول مصري، وأردني على اعتبار أنها في الأخير تذهب إلى حل إقليمي يقضي بدفع قطاع غزة نحو مصر، وأجزاء من الضفة نحو الأردن.
وإذا كان من المرجح أن ترفض مصر، ويرفض الأردن هذه الخطة ويرفضها الفلسطينيون أيضاً، فإن إسرائيل التي لا تقيم أي اعتبار للرفض الفلسطيني، ستحاول توظيف الإدارة الأميركية، لتخفيف آثار وتبعات الرفض المصري والأردني والعربي عموماً، أليس هذا ما يحدث في معظم الأحيان وحدث مؤخراً، بالنسبة لأزمة العلاقات التركية- الإسرائيلية، على خلفية القرصنة الإسرائيلية على أسطول الحرية؟
إذا نظرنا إلى واقع الانقسام الفلسطيني الذي تحول إلى وجود كيانين متصارعين، أحدهما في قطاع غزة والآخر في الضفة، ووضعنا الإجراءات الإسرائيلية ضد القطاع منذ أربع سنوات، فإننا سنستخلص أن الخطة قطعت شوطاً كبيراً من خلال وقائع منسجمة على الأرض، ولا يتبقى لتنفيذها بالكامل سوى اقتناع واشنطن والاتحاد الأوروبي.
الأهداف الإسرائيلية التي أعلنها ليبرمان، لم تفاجئ الفلسطينيين الذين تدرك قياداتهم السياسية المنقسمة على نفسها مآل السياسة الإسرائيلية، ويدركها أيضاً المواطن الفلسطيني العادي، تلك الأهداف، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أو مجرد إصدار الاتهامات، مدى خطورة الانقسام الفلسطيني، ومدى فداحة الخسائر التي يتكبدها الفلسطينيون جراء الانقسام والصراع.
وبناء لهذا الإدراك أصدرت حركتا حماس وفتح، مواقف واضحة برفض خطة ليبرمان ورفض أهدافها، لكن هذه المواقف تظل نظرية، ما لم يتم ترجمتها عملياً وخصوصاً عبر الذهاب فوراً إلى مصالحة وطنية تنهي الانقسام، وتعيد للفلسطينيين وحدتهم.
في توقيت طرح خطته الجهنمية، ينبغي أن نلاحظ، استمرار حكومة نتنياهو في اتخاذ خطوات استفزازية واضحة وذات دلالة، كلما كان السيناتور جورج ميتشل في جولة للمنطقة.
ميتشل الذي زار المنطقة بعد لقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ولمتابعة نتائج ذلك اللقاء، اصطدم بخطة ليبرمان التي طرحها أثناء وجود ميتشل في إسرائيل، فيما سبق حضوره إقدام بلدية القدس على تدمير ستة منازل فلسطينية هناك.
الرسائل الإسرائيلية للكل بما في ذلك واشنطن أكثر من واضحة، فإسرائيل ليست جاهزة ولا هي ناضجة لدفع ثمن الحد الأدنى من السلام الذي تسعى إليه الولايات المتحدة، فمعها المجتمع الدولي، ولا نقول السلام كما يراه الفلسطينيون والعرب.
كاتب فلسطيني
