مع اقتراب شهر نوفمبر المقبل، موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، بدأت الأصوات تعلو متسائلة؛ ما هي حظوظ عودة الجمهوريين للسيطرة على الكونغرس وخسارة الديمقراطيين للأغلبية التي تمتعوا بها طوال العامين الماضيين؟

والسؤال تستتبعه علامة استفهام أخرى: هل إذا خسر الديمقراطيون وفاز الجمهوريون في انتخابات الكونغرس، سيخسر الرئيس باراك أوباما بالتبعية في جولة انتخابات الرئاسة 2012؟ الشاهد أن الرئيس أوباما وفي شهر يناير المنصرم، كان قد فقد أغلبيته الموصوفة في مجلس الشيوخ، بانتزاع المرشح الجمهوري «سكوت براون» مقعد السيناتور الديمقراطي الراحل «تيد كيندي»، في نكسة تهدد مستقبل إصلاحاته كما قال البعض وقتئذ.

وقد كانت المرة الأولى منذ عقود التي يفوز فيها المرشح جمهوري في ولاية ماساشوستس بمقعد في مجلس الشيوخ، ليفقد الديمقراطيون بذلك أغلبية الستين صوتا في المجلس، والتي كانوا يملكونها بفضل دعم اثنين من المستقلين.

تقول الواشنطن بوست «إنه يشار إلى أن الطامحين إلى التنافس على الرئاسة، عمدوا منذ أمد بعيد إلى استغلال موسم انتخابات التجديد النصفي أواخر العام الحالي، لتعزيز مهاراتهم في مجال الحملات الانتخابية وبناء شبكات سياسية لهم».

فهل بدأ الجمهوريون، والمحافظون في مقدمتهم، على نحو خاص الاستعداد للمعركة الرئاسية القادمة؟ يبدو أن ذلك كذلك بالفعل، ففي صباح اليوم التالي لانتخابات ماساشوستس التي فاز فيها الجمهوريون، كانت تعليقات وسائل الإعلام التابعة لهم تقول: «لقد كان نصرا كبيرا للمحافظين».

ومع هزيمة الديمقراطيين في الانتخابات الاخيرة في ولاية ماساشوستس، أصبحت حركة المحافظين أكثر نشاطا بالمقارنة بالسنوات الماضية، كما أنها أكثر توحدا. فقد تصاعدت الخلافات بين المحافظين الاقتصاديين والاجتماعيين أثناء سنوات حكم بوش، لكن حدة تلك الخلافات تراجعت أمام ما اعتبره جميع الأطراف أجندة أوباما الليبرالية.

ويبدو أن اليمين الأصولي الأميركي قد عاد لينشط من جديد في دعم التيارات الأميركية المحافظة، لكن ما ليس واضحا هو هل ستكون الجهود التي يبذلها مفيدة بالنسبة للحزب الجمهوري أم لا؟

الثابت أن غرف المؤتمرات الخاصة بالمحافظين الشباب، باتت تعج بهم وهم يلتفون حول منضدة وضعت عليها مأكولات من طعم «تشيك ـ فيل ـ ايه» الذي أسسه أحد زعماء اليمين المسيحي البارزين، تحت إطارات تحتوي على صور لرونالد ريغان ولأبطال حركة المحافظين الآخرين.

والمقطوع به أن التساؤل المطروح الآن داخل الولايات المتحدة الأميركية، هو إلى أين يذهب السباق وربما الصراع بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري وبين أتباعهما؟

المؤكد ان كل الإحصائيات والقياسات الكمية للأرقام والمعلومات، تؤكد أن الحزب الديمقراطي الأميركي هو الأكثر عددا والأكبر حجما لجهة الانتشار في الولايات المختلفة، وأن الحزب الجمهوري هو الأكثر قدرة وبراعة في استخدام المناورة وإدارة الحملات، إضافة إلى تميزه بوفرة الموارد المالية والإعلامية.

وإذا كان الديمقراطيون يتميزون بوفرة الموارد المالية والإعلامية، والديمقراطيون يتميزون بالاهتمام أكثر فأكثر بالشأن الداخلي الأميركي، وبالتالي تراهن الإدارات الجمهورية على إعطاء الأولوية لجدول أعمال السياسة الداخلية وتغليبه على جدول أعمال السياسة الخارجية، فإن الأمر بالنسبة للجمهوريين مختلف، فهم أكثر فهما واهتماما بالشأن الخارجي الأميركي، وبالتالي فقد ظلت الإدارات الجمهورية تراهن على أولوية جدول أعمال السياسة الخارجية الأميركية وتغليبه على جدول أعمال السياسة الداخلية الأميركية.

وتأسيسا على ذلك فإن فوز المرشح الجمهوري «سكوت بارون» في ولاية ماساشوستس، كان يمثل في حد ذاته النقطة الفاصلة التي لا بد عندها أن إدارة أوباما راجعت أوراقها، ومن ثم التوصية بعملية تحول سريعة في أجندتها، وخاصة الخارجية منها وإعطائها اهتماما أكبر، إضافة إلى إجراء التعديلات الحاسمة في أجندة السياسية الداخلية الأميركية.

غير ان واقع الحال، وفي ظل الانخفاض الكبير في شعبية الرئيس اوباما، يؤكد ان مراجعة مثل تلك لم تحدث بالمطلق، وأن الملفات الساخنة والملتهبة لا تزال مفتوحة، بل وتهدد بانفجارات أقوى وأشد، وفي مقدمتها النزاع العربي الإسرائيلي والذي تكثر من حوله الأقاويل في الأشهر الأخيرة، وكيف أن احتمالات تحول الموقف إلى صراع عسكري واسع النطاق هو أمر وارد بقوة.

أضف إلى ذلك الملف الإيراني المحتقن للغاية، والذي تختلف من حوله الدوائر الأميركية المعنية لجهة الخلاص منه بضربة عسكرية، أو تقديم حلول سلمية مع إدارة الرئيس الإيراني احمدي نجاد.

وقد جاءت أزمة بقعة النفط الخاصة بشركة «بي بي» البريطانية، لتمثل 11 سبتمبر الخاصة بالرئيس اوباما، ما عطل كثيرا من إمكانيات النمو الاقتصادي داخل أميركا.

ورغم ان هناك نحو ثلاثة أشهر تقريبا على انتخابات التجديد النصفي، وعامين ونصف العام على انتخابات الرئاسة، وهي فترات كافية لحدوث متغيرات والدخول في منعطفات سياسية واقتصادية متباينة، إلا ان انتخابات الكونغرس القادمة ستكون ولا شك بمثابة جرس التنبيه لإدارة اوباما.

ويبقى التساؤل الأهم: ماذا عن العالمين العربي والإسلامي، إذا فاز اليمين الأميركي من جديد وعاد المحافظون إلى البيت الأبيض مرة أخرى؟ هل سيتم ما بقي في طريق بوش؟

ومعناه حروب جديدة وغزوات أميركية مختلفة ونار ودمار مرة متجددة، سيما وان النغمة الفكرية لهم واحدة!

يخشى المرء من أن يكون ذلك كذلك فعلا لا قولا، هذه المرة.

كاتب مصري

emileamen@gmail.com