كثيرا ما نسمع عن عقوبات تفرض على دول بسبب جرائم أو مخالفات، بعضها واقعي وبعضها سياسي أو مختلق، وهذه العقوبات تصدر في الغالب عن دول مجتمعة أو منفردة أو عن منظمات أو مؤسسات دولية أو إقليمية بتحريك من دول معينة، والأمثلة على ذلك كثيرة خلال العقدين المنصرمين، وأشهرها معاقبة العراق عن جريمة لم يرتكبها ولم تثبت عليه.
وهي حيازة أسلحة الدمار الشامل، وفرض عقوبات مستمرة على دولة مثل إيران بسبب جريمة لم ترتكبها بعد، وهي الشروع في حيازة أسلحة نووية، وعقوبات مستمرة على كوريا الشمالية التي لم ترتكب أية جريمة في حق أي دولة أخرى حتى الآن، وعقوبات على السودان وحكم قضائي باعتقال الرئيس السوداني عن اتهامات لم يتم التحقيق فيها ولم تثبت حتى الآن، وعقوبات على سوريا التي لم تعتد على أحد ولم ترتكب جرائم ضد أحد، وهناك عقوبات على كوبا مستمرة منذ أكثر من نصف قرن مضى، ومؤخرا سمعنا عن عقوبات على لبنان بحرمانه من المساعدات والدعم العسكري الأجنبي.
القاسم المشترك بين جميع هذه الدول التي تتعرض للعقوبات، أنها لم ترتكب المخالفات أو الجرائم التي تعاقب بسببها، أو لم تثبت عليها هذه الجرائم أو المخالفات، ناهينا عن أن معظم هذه العقوبات يصدر بدون تحقيق أو إثبات.
جميع هذه العقوبات التي ذكرناها وغيرها كثير، نجد الولايات المتحدة الأمريكية وراءها، فهي التي تحركها وتفرضها وتجبر الدول على الموافقة عليها، وسواء وافقت الدول أو لم توافق فالعقوبات تقع ويتم تنفيذها.
الكيان الصهيوني منذ وجوده على الأرض ومنحه باعتراف دولي صفة «دولة»، منذ أكثر من سبعة عقود مضت، وهو يرتكب جرائم لا حصر لها ولا يوجد أي جدل أو شكوك حول ثبوتها، فقد نشأ هذا الكيان منذ البداية على أساس جريمة تاريخية، وهي انتزاع وطن من أهله وأصحابه.
وكما قال المؤرخ الإنجليزي العالمي أرنولد توينبي منذ نحو نصف قرن مضى «إن استيلاء الحركة الصهيونية على أراضي وأملاك 900 ألف عربي في فلسطين هم لاجئون الآن، ليس أرقى من الناحية الأخلاقية من أبشع الجرائم التي ارتكبت خلال القرون الخمسة الأخيرة بواسطة الغزاة المستعمرين».
ولم يمر عام واحد في تاريخ الكيان الصهيوني دون جرائم بشعة يندى لها جبين الإنسانية، ولم تنكرها إسرائيل بل اعترفت بها وبررتها، والأمثلة يصعب حصرها، منذ مذبحة دير ياسين في إبريل عام 1948 التي ما زالت صورها البشعة أمام أعين العالم، وبدلا من العقاب احتل الصهاينة القرية وأطلقوا أسماء المجرمين القتلة على شوارعها، بينما زعيم القتلة مناحم بيغن حصل على جائزة نوبل للسلام!
وبعدها بقليل جريمة اغتيال الوسيط الدولي «فولك برنادوت» في القدس في سبتمبر عام 1948، على يد مجرمين من منظمة شتيرن الإسرائيلية اعترفوا بجريمتهم ولم ينالوا عقابهم حتى الآن، وتتوالى الجرائم مرورا بضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981، وضرب لبنان 2006 وغزة 2008، واغتيال المبحوح في دبي في يناير الماضي، والاعتداء على أسطول الحرية، ولا نستثني هنا اغتيال رفيق الحريري والعديد من جرائم الاغتيال التي ارتكبتها إسرائيل خارج الحدود.
ما ذكرناه مجرد محطات في سجل الجرائم الإسرائيلية الممتد لأكثر من سبعة عقود مضت، هذه الجرائم التي لم تنكرها إسرائيل نفسها، بل في أحيان كثيرة افتخرت بارتكابها، وصدرت إدانات من جهات عديدة لهذه الجرائم، وعشرات القرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن لم نسمع ولا مرة واحدة عن أي عقاب لإسرائيل على جرائمها.
لدينا مبرر وحيد منطقي لعدم معاقبة إسرائيل عن جرائمها، هذا المبرر هو أن إسرائيل ليست دولة، بل كيان شاذ لا يجب أن يعامل معاملة الدول.